العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 53
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31701764
عدد الزيارات اليوم : 27248
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


محمد عارف ودراماتيكية الخطاب التشكيلي

تمر أنامل الفنان محمد عارف على  سطح لوحاته لتصنع حصاناً في موقع راسخ، كناية عن اصالة، وثورة، ومفردة  سردية، في نسق حكايات اختزلها الفنان التشكيلي إلى تكوينات وألوان وحجوم  وملامس، لكن دراماتيكيتها، وتوقها الإبلاغي، تبقى محرضة للمدونة الحكائية  التي تكرس مشهديتها، فيتم تراسل خطاب التحدي من قمة أعلى من هام الطغاة.  بوصفه نغمة دالة يتكرر نسجه في لوحاته.


 ويضيء الفارس الفعل الجوهري للوحة بتعبيريته الموحية بحفظ النوع القومي، الذي يستقبله المتلقي الواعي بالمغزى الضمني المشترك بينه وبين الفنان.
وحين تقرأ نص الرسام في متحفه المصغر الذي يضم عدداً كبيراً من التخطيطات واللوحات ينبغي الانتباه إلى مؤشرات من خارج نص اللوحة كأن تلمح عقب بندقية، اختزنت اثراً بشرياً من سنوات الجمر ومكابدات الصراع الدامي.
ثم بعد هذا الاستهلال، تتنزل إلى كهف، أو رحم تتنفس فيه نتاجات هذا الفنان الذي أراد لها ان تكون (أي مآثره الفنية) محفوظة في حرز أمين تطوف مع وجوه وعوالم ومدن واحداث، تتحرك من تخطيط لتقف عند حضرة اللون والرؤوى، وتمر مع تقلبات وعي الفنان، وعشقه الحرية، واندهاشه بعالم (موسكو) الذي حصره بين معهده لتعلم الرسم وبين المتحف الذي يقدم له الأحلام مؤطرة، ومتصادمة ومتجادلة بديالكتيك الإبداع، وتحولات الايديولوجيا.
لقد تقصد بفعل مبكر، خطاباً انعكاسياً ينبع من روح الشعب وابطاله الايجابيين الذين يغيرون المحيط الاجتماعي، ويفككون الإرث و(موتيفات الفلولكلور)، ويعتنون باللون المحلي، بملامح رومانتيكية ـ حالمة.
فاندفع متحزباً، دون إلزام، فعاجت لوحاته وماجت بالناس البسطاء، وبفكرة الشهيد الذي حمله شعب بأسره إلى مثواه الأخير، فترى الايادي، تتابع وتتكرر، لتنفث بالمعنى الروحي من خلال مادية اللون والاشكال والحجوم، أراد الفنان محمد عارف ان يوصل الخطاب الواقعي إلى جماهير عريضة، ليجروا خلف صاريتها، لكن اللوحة تتريث في معالجة نسيجية السطح، وتستعير ذاكرتها من محيط الفن العارم، فتأخذ من التعبيرية، البوح الفوري وذاتية الرؤية، وعجائبية العالم، وتنساق.
مع الانطباعية بتكوينات بقعية مرهفة اللون والضوء، ويستدير دورة مغايرة لما عهده في موطنه من صفاء اللون واشتعاله وتألقه فيرسم ندف الثلج، وطبقات الجليد، وهطول الامطار، وتراقص الاضواء فوق اعمدة الكهرباء، وحركة الموسكوفيين في شتاء قارس البرودة ثمن أساتذته قدرته الفنية وهو القادم من ضوء الشرق الوهاج إلى ضباب بلدان الصقيع.
رسم الفنان مدنا، وهو يرتحل من عاصمة غربية إلى أخرى، مستشعراً في كيانه حباً لأبناء الأرض جميعاً.
وبقت لوحاته متشبثة بانموذجها الواقعي، برغم انفتاحها على عوالم تبدو مضادة لخطابها، واستأثرت محاكاة الواقع، وإعادة انتاجية، بالهيمنة المتحكمة بالمساحات الملونة، التي تحتل الشخوصية فيها محاور السيادة. وتتقلص إلى خلفيتها، تفصيلات طبيعية، مثل شلال أو جبل أو كدير، أو حقل، أو حصان يرمح في السهوب الخضراء الممتدة، إلى ذرى جبلية من كردستان العراق.
ترتبط هذه المفردات بوحدة تصميمية ومعمارية وجمالية من حيث تبايناتها اللونية، وتوازناتها وايقاعاتها، المتناغمة مع المحاور الافقية والعمودية والمائلة، ليشتق منها الفنان عوالم هرمية، أو اسطوانية، أو مثلثة، ولكنها لا تأخذ بالاسلوب التجريدي، بل تخضع الخطوط التجريدية للأفق التشخيصي، الذي يبقى وفياً لمحاكاته مهما استبد به الهوى، أو استدرجته أطياف مدارس الحداثة. وهو حين تنفتح مدونته على هذه الصيغ الهندسية، يترك في مساحاته ملامس محلية (بيئية)، بطابعها اللوني الذهبي الوهاج، محاكياً الزي الكردي الطافح بالتطرف اللوني المشع، في عرس من التضاد اللوني الحار والبارد، والحكايا التي تسردها الجدات عن الفرسان ومآثرهم.
غالباً ما يحتل الموضوع البشري بؤرة اللوحة، وتقودنا الخطوط والمسطحات وترتيب عناصر التكوين إلى حواف قصية يشغلها حصان صاهل، أو شمس مشرقة، أو ماء يتدفق.ومن معالجاته الجسورة التي كسرت نمطية الرؤية هي تجربته في مدينة (أبها) السعودية، فترى، لوحة، يتحرك فراغها بخطوط ومسطحات وكتل واشكال شبه ـ اسطوانية، لكنها تجمع بين التصميم الهندسي والمعالجة الواقعية، بتناص مع الطابع المكسيكي، كما تفترض، ولكنك سرعان ما تقتنع بان الفنان، نقل انطباعاً واقعياً حقيقياً في مدينة (أبها) التي تمتاز بتضاريسها الجبلية، وبالنسوة اللواتي يأتين بمناسبات محددة، وكأنهن يجلبن معهن إلى المدينة الخير والبركة، وبهجة الحياة وتدفقها. في أسلوبية مميزة، وضع الرسام طفلين في تكوين دائري مؤسلب مع وقفة كل مرة الشخصيتين النسويتين، بوضعيات مغايرة لتوزيع خطوط التركيز على عناصر التكوين، ضمن وحدة إطارية ملموسة وتبرز في لغته التشكيلية السمات العراقية، باشراقها الحضاري المرتبط بكينونة إنسانية مثقفة وبرسالة شمولية، لا تنسى (الفردي) ووهجه الوجداني.
وتجبرك لوحة تخطيطية بعنوان (ناتاشا) على التمعن في خطوطها الدقيقة، وتنسى هذا (البورتريت) الذي تمت صياغته بخطوط محكمة وتذهب محلقاً مع نبل الفنان، الذي ترى هشاشة قلبه، واضطراب نبضاته، الذي استطاع تمويهها، ودفن رغائبه بالتماعة عينيها، وهدوئها، وتوازنها المسالم، وإذعانها للتواصل.
الفنان لوحده يستطيع ان يجمع المتنافر بين الظواهر فيوصل (ناتاشا) بقبعات المكسيك بقبعات نسوة بدويات، بصدور فلاحات عامرة بالحياة، وينقلها إلى مواقع جبلية، فتطفح نشوتها الإبداعية، وتتلاقى جداول الانوثة بالديونسيوسية، التي تقمعها باتجاه مضاد طاقة (بيوريتانية) طهرية!!.
هذا التشريط الاخلاقي الشرقي، يذكرك بلوحات السلاف وعلى رأسهم (ريبين) بمشاهدة الحافلة بالوجوه الفردية وسط الحشود وبمنجزات الواقعية الاشتراكية في الحقول التشكيلية ان ما تعلمه (عارف) في بلاد السلاف من شغف قومي، زواجه مع إرثه القومي، المنفتح على الرحمة، ولغة الرسل، والمار ببرزخ القمع والتفنن بالايذاء من قبل سلطات رجعية ـ ظلامية.
المتأمل للوحاته يكاد يسمع نداء الشعب، صادحاً بالاغنية، والحكاية، وكائنات الطبيعة، ويتخيل الفنان يسيح متلقيه، بالحب والوعي، ليقيهم من الطوفان وعثرات الزمان. وهو يجمع الحسي بالرؤيوي بعراقية من نمط فريد.
يحق للفنان ان يخشى على لوحاته من التلف والضياع أو البيع العشوائي، فحقق حلمه في متحفه الشخصي فكان ـ بحق ـ منجزاً يسجل بتفصيلات دقيقة سفر فنان وهو ينشئ خليقته التشكيلية ويودعها في مستقره، في مدينته (أربيل) التاريخية فنان جاب موسكو بذاكرة (بغدادية) ما زال في منطقة السرد، لم يغادر حكايات الجدود المهتمين بخاصرة الجبل ولم يزل يحتفظ بفراسة المبدع الذي انتمى إلى (جماعة بغداد) ليمسك بفرشاته وهي تلتقط تموجات حركات الفكر التقدمي، ليرسم ظواهر الواقع، اجتماعياً وتاريخياً وفولكلوريا، بروح جمالية. منفتحة على الجديد، ممتنعة على الجمود.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية