العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :12
من الضيوف : 12
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22881617
عدد الزيارات اليوم : 1571
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


السماور..زينة البيوت البغدادية

فخري حميد القصاب
كاتب في التراث الشعبي
السماور.. السلطان المتربع وسط مجالس العوائل العراقية الشعبية، وما تربع  الا وارتسمت على وجوه الملتفين حوله فرحة مفعمة بالبهجة والحبور.. ترى ما  سر هذا السحر الذي ينبعث من هذا الكأس المعدني الكبير؟ وما سر هذه النغمة  الموسيقية لهذا الشيء المحبب الى نفوسنا،


 تلك النفوس التي سرعان ما تنسى بهجة الطبيعة الخلابة وتشرنب باعناقها الى هنا (السلطان) الذي ينتصب بشموخ كلما تسنى لها الخروج الى الحقول والبساتين العامرة لتفترش الارض المطرزة بالخضرة ولتترع من حضنه الشاي في الاقداح الزجاجية المتلألئة.
قد يجهل الكثير منا مصدر تسمية هذا الوعاء المعدني الجميل والبلدان التي تصنعه وكيفية انتمائه الى عالمان الشعبي، سيما وقد اصبح "جسر" من فولكلورنا (تراثنا الشعبي) منذ زمن ليس بالقصير.
ان لقطة (السماور) اذربيجانية الاصل وهي ليست فارسية كما يعتقد البعض، واللقطة مركبة من (سما) و (فار) اي من (طبخ بنفسه) ، ويبدو من تعريب الكلمة ان هذا الوعاء لم تقتصر مهمته على تسخين الماء تميدا لعمل الشاي (وتخديره) بل كانت له مهمة اخرى هي طبخ او احماء بعض المأكولات لكونه مصدرا لحرارة جيدة، وقد شاعت تسميته بـ(السماور) بدلا من (السما فار) لكون العامة لا تستسيغ لفظة (الفاء) الاعجمية لفخامتها كما هو الحال بالنسبة لكثير من الالفاظ العامية الدخيلة.
السماور عند العراقيين
ان عهد العراقيين بالسماور مقرون بعهدهم بالشاي، فهذا الاخير لم يعرف في بغداد إلا بعد الحرب العالمية الاولى وكان استعماله على نطاق ضيق ويكاد يكون تناوله مقصوراً على فترة المساء فقط، اذ لم يألف البغداديون احتساءه عند الفطور، اما كيفية انتقال وشيوع هذا المصنوع الفولكلوري في العراق، فمن المرجح انه انتقل الينا عن طريق ايران المتاخمة حدودها لحدود اذربيجان السوفيتية من جهة ومتأخمة حدودنا لحدود ايران ووجود جالية كبيرة من الايرانيين المقيمين في العراق من جهة ثانية، وبعد ان تخطى السماور حدود ايران وشاع استعماله بكثرة في العراق نشأت طائفة من الصناع المهرة تخصصت في صنعه وزخرفته بشكل لا يقل روعة عن السماور المستورد من الخارج.
وتكاد مدينة كربلاء تنفرد بصناعة (البرنج) دون غيرها من المدن، ويتركب البرنج من الصفر والرصاص وكان يستورد قديما على شكل صفائح كورق المقوى اصفر اللون ويستعمل للسماورات والمناقل والدواليك والصواني الكبيرة والصغيرة وتزين بالصور والنقوش البديعة المختلفة كصور الملوك المعروفين وصور المناشر والقباب المقدمة او يكتب عليها بعض الادعية والسور القرآنية القصيرة، وعاملها يعرف بـ (الدوانكر) اي صانع الدواة حيث الدواة، وهي مستودع الحبر، تصنع من البرنج سابقاً، واستعمل هذا الاصطلاح لكل من يعمل ادوات البرنج، وهناك معامل تقوم بمختلف انواع البرنج.
وقيل عن التراث الشعبي: "هو فن ينتزع اصالته ما لا ينجم عن انتماء مدرسي ولا عن تقليد مهني جماعي، انما القضية في اغلب حالاتها هي قضية محاولات عفوية لفنانين اكثر من كونهم صناعا، منذ بدء اختيار الموضوع حتى الانتهاء من العمل، اذ بذلوا كل ما في طوقهم ونهضوا بالعمل كله بانفسهم، ومن ضمن ذلك تمرسهم الفني واكتشاف وسائلهم اليدوية الخاصة وكان الكاتب الروسي الشهير (تولستوي) يفضل المبدعات الشعبية على كثير من روائع الفن الرفيع المعروفة.
وعلى الرغم من ان السماور مصنوع اجنبي المنشأ الا انه دخل تراثنا الشعبي العراقي واصبح جزءا منه، حيث ان هجرته وانتماءه الينا لم يكن على اساس انه فولكلور اجنبي انما امتدت اليه اليد العراقية الشعبية، بعد اقبال الناس على استعماله، لتتفنن في صنعه وتطويره واشباعه بالروح العراقية الصميمة الامر الذي ادى الى ظهور طبقة متخصصة من الصناع المهرة في هذا الميدان.
السماور والمجالس الشعبية
لم تكن في بغداد والمدن العراقية الاخرى منذ عدة عقود من الزمن تلك الرياض والمتنزهات التي تشهدها في وقتنا الراهن، فكانت الحقول والبساتين الحبلى بالاشجار الزاهية بالثمر هي الملجأ الذي يلوذ به العراقيون، والبغداديون على وجه الخصوص، لقضاء اوقات هانئة في المناسبات المختلفة، وكان السماور هو رفيقهم في هذه المناسبات اذ يندر جدا ان ترى عائلة لا تصطحب معها هذا الوعاء البحري الجميل وكان السماور هو سيد الحلقات الشعبية التي تلتثم في المواسم والمناسبات، وكان (النوروز) من ابهج هذه المواسم الشعبية لدى العراقيين عربا واكرادا، ويصادف في اليوم الحادي والعشرين من اذار من كل عام، ويعرف النوروز عند البغداديين بيوم الربيع اي يوم (دورة السنة) او (التحويل) او (الجمبر سوري) وكانت العوائل الشعبية تخرج الى حيث غمر الربيع كل بقعة من بقاع الارض باوراده الزاهية وخضرته الرائعة واجوائه النشواة وهي تحمل السماورات وملحقاتها والتي تسمى بـ (العدة) اي عدة الشاي، اضافة الى الابسطة وانواع الاطعمة والمأكولات والكرزات وغيرها، وتبدأ احتفالات دورة السنة من صباح اليوم الباكر وتستمر لغاية اليوم الثالث عشر ، وكانت ابرز ميادين احتفالات الربيع مناطق (سلمان باك) و(الكاظمية) و(السيد محمد) و(سامراء) ومناطق كثيرة من بغداد ولاسيما ضواحيها.
ولم يكن للسماور الدور البارز في حلقات السمر والنزهة في احتفالات الربيع فحسب بل كان يلعب نفس الدور في (الكلات) وهي الاحتفالات التي كان يقيمها البغداديون في اليوم التالي لكل عيد (عيد الفطر وعيد الاضحى). ومن اشهر احتفالات الكسلة في بغداد كسلة كرادة مريم التي تقام في الجمعة الاولى بعد العيدين، وكسلة (سيد ادريس) في الكرادة الشرقية التي تقام في الاحد الاول بعد العيدين، وكسلة (ابو رابعة) في الاعظمية التي يحتفل بها في الاربعاء الاول بعد العيدين.
اما اهم المناطق التي كانت تشهد هذه الاحتفالات – اضافة الى ما ذكر – فهي مناطق (الشيخ معروف) و(براثا) في العطيفية و(الشيخ عمر). وكان السماور يضفي على اجواء هذه التجمعات الشعبية بهجة وتألقا عظيمين لما فيه من روعة فولكلورية سحرية شدت اليها قلوب الناس زمنا طويلا وكأن السماور صنع خصيصا لمثل هذه المناسبات فجمع بين الفن الشعبي الرفيع وبين البساطة العفوية التي تتميز بها الفنون الشعبية عامة، وهنا يكمن – في اعتقادي – سر تعلق الطبقات الشعبية به وانجذابهم اليه، وهذا ما يفسر قول مكسيم غوركي: "ان الفولكلور له القدرة على خلق صورة عميقة وواضحة ولها قوة التعميم وخاصة فيما يتعلق بصلة الانسان بالعمل".
والسماور، فضلا عن وظيفته الاساسية كوعاء لتسخين الماء لتحضير الشاي و(تخديره)، له وظيفة اخرى هي التدفئة. وفي البيتين الشعبيين التاليين يفاخر الشاعر الشعبي بامتلاكه سماور شاي يقيه شر برودة شباط (الازرك) فيقول من (النايل):
شباط (الازرك) نحرني
قولجي ورمأي
وان جان ناشك برد
عدنا سماور جاي
ومن منا لم تشنف اسماعه الاغنية الشعبية القديمة (خدري الجاي خدري) التي طالما رددها الجيل الماضي مترنما بالحانها ومعانيها بنشوة غامرة زال صداها يتردد في عوالم جيلنا الحاضر وكأن غبار الزمن يأبى ان يتراكم عليها:
خدري الجاي خدري
عيوني المن أخدره
مالج يا بعد الروح    
دومج مكدره
ان شرب الشاي لا يحلو اذا كان الحبيب غائبا، وقد تكون الحبيبة شاردة الفكر لاتدري ما تصنع اذا لم يكن حبيبها ماثلا امام ناظريها:
خدرته بالفافون        
حسبالي قوري
انها – والحالة هذه – تابى باصرار ان تهيء السماور وعدة الشاي:
لا أملي السماور    
ولا اغسل الماعون
ثم تقسم انها لن تفعل ذلك الا اذا تكحلت عيناها برؤية حبيبها.. كيف لا وهو الذي يضفي على جو هذه الجلسة جاذبية ونشوة جماله الساحر؟؟
احلف ما اخذره
ولا اكعد كباله
الا يجي المحبوب
واتمعن جماله
وهذا شاعر شعبي يتغزل بـ (كذلة) حبيبته و(زلفها) واصفا الاولى بادوات الشاي والثانية بالكريم الذي يحب بالاحباب:
والكذلة عدة جاي بيها استكانات
واذا كان لا بد لي من كلمة اخيرة هنا فليس لي الا ان اقول ان السماور لم يعد له ذلك السحر في نفوس العراقيين لاندثار اغلب المهرجانات الشعبية الفولكلورية التي كان السماور زينتها وسلطانها، ويكاد وجوده في وقتنا الراهن يقتصر على كونه اثراً فولكلوريا تزين به البيوت وبعض المقاهي واجهاتها وزواياها كما تزين الصور والمناظر الخلابة الجدران والاماكن البارزة ولكن الزمن سوف لن ينسى ذلك الدور الذي لعبه السماور في حياتنا، وقد قال يوري سوكولوف: "ان الفولكلور صدى للماضي، ولكنه – في الوقت نفسه – صوت الحاضر المدوي" .
تركيب السماور وانواعه
السماور على انواع كثيرة من حيث تركيبها واطارها العام، بيد ان الشاي منها يكون قسمه الاسفل عبارة عن ماكنة ذات فتيلة على غرار القسم الاسفل للمدفأة النفطية المعروفة، ويخرج من هذا القسم انبوب اسطواني الشكل يصل الى القمة. اما محيط الجدار الخارجي للسماور فهو وعاء مجوف لاحتواء الماء الذي ينزل من الانبوب (الحنفية) ساخنا، وعلى جانبي هذا المحيط مقبضان يدويان لامكان حمله من مكان لآخر ويوضع على قمة السماور عادة (قوري) لتسخين الشاي والمحافظة لى ديمومة سخونته وحرارته، ومن ملحقات السماور (الصينية) التي ينتصب عليها السماور مع اناء صغير (طاسة) لاحتواء فضلات الماء الساخن الذي ينسكب من الحنفية عند استعمالها المتكرر. وهناك نوعان من السماورات: نوع فارسي وآخر روسي، ومن ارقى انواع السماورات الفارسية (عالي نشب) ثم (علاء الدين) و(كرخانة شركاء)، اما انواعها من حيث السعة والحجم فهي كثيرة فهناك (بك لتري) والـ(دولتري) والـ(سه لتري) والـ (بنج لتري).. الخ والنوعان الاخيران اكثر شيوعا في البيوت، ويستعمل النوع الاول (يكك لتري) لاشخاص قليلين لصغر حجمه، وكثيرا ما يكون هذا النوع مرصعا بالاحجار الكريمة وهناك نوعا آخر اصغر حجما من (بك لتري) لايستعمل استعمالا حقيقيا بل يتخذ كزينة ويكون مرصعا ايضا بالاحجار الكريمة . اما انواع السماورات من حيث الوقود، فمنها ما يكون وقوده النفط او اكلهرباء او الفحم، وكان النوع الاخير هو المفضل قديما، وقد علمت ان هناك سماورات حديثة استعمل الغاز وقوداً لها.
ويصنع السماور من البرونز او يكون مطليا اما بالنيكل او بالكروم، والنوع والاخير من اجود الانواع لكونه غير قابل للصدأ.
السماورة والفولكلور
ان تعبير (الفولكلور) الذي استعيض به عن تعبير (الاثار الشعبية) تندرج ضمنه الاثار العفوية للشعب سواء كانت شفاهية ام عملية.
فالحرف والمصنوعات الشعبية تشكل ركنا اساسيا من اركان الفولكلور، ولما كان (السماور) من روائع المصنوعات الشعبية فانه يعتبر اثرا فولكلوريا صميما سيما وان استعماله قد اقترن بكثير من التقاليد والعادات الشعبية كالخروج من الحقول والبساتين في (الكسلات) واعياد السريع والمناسبات الشعبية الاخرى.
مجلة السياحة 1959



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية