العدد (4310) الاربعاء 14/11/2018 (ديفيد هيوم)       ديفيد هيوم فيلسوف التنوير       هيوم و«المعرفة المتهمة حتى تثبت براءتها»       حياتي – ديفيد هيوم       دافيد هيوم :المشاكس المرح يبحث يسعى لفهم البشر       دفيد هيوم وفلسفة الأنوار       ديفيد هيوم.. الفلسفة أداة لكشف الحقيقة       العدد(4308) الاثنين 12/11/2018       16 تشرين الثاني 1916 (دكة) عاكف بك في الحلة       من اخبار المصارع عباس الديك ونزاله الشهير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :21
من الضيوف : 21
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22881600
عدد الزيارات اليوم : 1554
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


كيف عرفت يوسف يعقوب مسكوني؟

جعفر الخليلي
في الثلاثاينات وانا ازاول الصحافة في النجف كنت اتردد على بغداد بين حين  وآخر لتجهيز الجريدة والمطبعة بما يلزمهما من ورق، وحبر، وغراء، وغير ذلك،  وكنت اهتبل هذه الفرصة فازور رهطا من الاصدقاء، على قدر الامكان، اما عبد  الستار القرغولي فكان من المحتم علي ان ازوره اول من ازور لما كان يربطني  به


من وشائج المودة التي كان مبعثها الزمالة يوم كنت مدرسا في وزارة  المعارف، وكان مبعثها الشعر والادب.وذات مرة وانا ازور القرغولي في مدرسته، الح علي بان نتناول الغداء معا بمطعم (شمس)، ومطعم شمس يومذاك اوسع المطاعم شهرة في طهي الطعام، وكان يقع فيما يقابل جامع الحيدرخانة بشارع الرشيد، ولما كان الوقت ظهرا ولم يكن هناك ما يستدعي الاعتذار اجبت الطلب وخرنا من المدرسة متجهين الى المطعم المذكور، وفي الطريق استوقف القرغولي شابا وردي اللون اشقر الشعر ضحوك الوجه، معتدل القامة، وكان يريد عبور الشارع، استوقفه ، وقال له الى اين؟
- تعال لأعرفك بفلان – وفلان هذا يعنيني انا -
ثم قال لي – هذا يوسف افندي مكسوني ومن زملائنا المعلمين.
ثم قال القرغولي لمسكوني -: اننا مصممان على ان نتناول الغداء بمطعم شمس على حسابك فماذا تقول؟
فما رايت وجها اكثر بشاشة من وجهه ولا ترحيبا اصدق لهجة من ترحيبه، ومضينا معا الى المطعم، وحاول هناك ان يدفع الحساب ولكن الفرغولي لم يدعه واقسم له اننا كنا مازحين، ثم افترقنا بعد ذلك.
ولست اذكر كم مرة على تلك المعرفة يوم التقيت يوسف افندي مسكوني – مرة ثانية ببغداد – وكانت صفة (الافندي) يوم ذاك تقوم مقام الاستاذ في هذا اليوم – فاستوقفته اسال عن احواله وهو يرحب بي ويبش، وادركت من هذا الترحيب والبشاشة التي كانت كما يبدو طبيعية اصيلة في مسكوني عند التقائه بمن يلتقي عرفهم ام لم يعرفهم، لقد ادركت انه لم يعرفني، وانه نسي اللقاء الاول فقلت له انا فلان وقد سبق لي ان تشرفت بك عن طريق القرغولي وتناولنا الغداء بمطعم (شمس) معا، فقال كمن كان يتذكر ذلك.
- نعم.. نعم. واين تسكنون اليوم؟؟
فعلمت انه لم يعرفني تماما، وانه قد نسي المطعم وتناولنا الغداء فيه، والتقيت القرغولي وقصصت عليه القصة، فقال هذا رجل عجيب اذا ذهل او نسي ولكنه على خلاف ذلك في اداء وظيفته كمعلم. ولعله من اخلص المعلمين، ومن اكثرهم تفانيا لمهمته، وحين تم لي بعد ذلك الاتصال بمسكوني، وتوثقت بيننا الصداقة، والمعرفة تيقنت مما قال القرغولي حين رايت هذا الرجل الذاهل ولكن قلما تسرب الذهول الى ما وضع من كتب وتراجم، وان الفرق لكبير بين مسكوني في مجتمعه، واختلاطه بالناس، وبينه وبين المتصدي للبحث في موضوع من المواضيع التاريخية، والتعليق عليها او سرد تراجم بعض المغمورين من رجال العلم والادب.
ثم اشتدت معرفة مسكوني والتعرف الي عن طريق جريدة (الراعي) التي كنت اصدرها اولا ثم (الهاتف) بعد ذلك، وكان يحتفظ ببعض الاعداد التي تتناول التراجم او بعض المواضيع الادبية ليتخذ منها مراجع للبحث على ما قال لي ذلك عدة مرات.
وصرت في كثير من الاوقات عند زيارتي لبغداد اسال عن (مسكوني) الذي رأيت الوداعة متجسمة فيه، ماثلة في كل تصرفاته، وان انسانا كهذا لايمكن ان يتجاهله من يريد ان يرى الانسانية شاخصة امامه بالكثير من معانيها، ملموسة بيديه بالكثير من فضائلها.
ومر زمن عرفت فيه ان (مسكوني) قد تزوج، وان زوجته من الموصل، ولقد قيل يومذاك سواء على سبيل الدعاية او الحقيقة ان صديقا قد اتخذ من مسكوني واسطة ليخطب له السيدة (كلمبا) من اهلها، وكان مسكوني نفسه يومذاك يبحث عن زوجة له فنسي انه وسيط ليخطب لصديقه السيدة (كلمبا) فزار اهلها، وكرر الزيارة، وخطبها لنفسه!! وحصل عتاب بينه وبين صديقه فاقسم مسكوني ان كان يذكر ذلك وان كل ما جرى في خاطره هو انه ذهب ليخطب لنفسه وقد رأى السيدة، فاعجبه منها كل ما يعجب الخاطبين من المخطوبة من جمال وادب، واخلاق.
وقد برهنت التجربة ان السيدة (كلمبا) كانت كما توقع اكثر، فهي فضلا عن كونها سيدة بيت تحسن القيام بواجب البيت من حيث اعداده للسكن، ولاستقبال الزوار فقد كانت مربية فاضلة انجبت له ستة بنين وبنتا واحدة، وارثهم ابواهما يوسف مسكوني والسيدة كلمبا الشيء الكثير من مزاياهما وفضائلهما انا اجزم لو لم تكن السيدة ام زهير (كلمبا) لما استطاع (مسكوني) ان يحافظ على نفسه لما جبل عليه من اللامبالاة، والذهول، بل لولا السيدة كلمبا لما توفق الاولاد كل هذا التوفيق فالكبار كلهم جامعيون وهم اما حائزون على شهادة الدكتوراه او في طريقهم اليها، وقلما شوهد سبعة اخوة يتحلون بمثل ما يتحلى به اولاد مسكوني من الاخلاق العالية.
وفتحت السيدة (كلمبا) بيتها للزائرين، واصبح لمسكوني صالون يضم عددا غير قليل من اهل العلم، والادب ببغداد، وكثيرا ما تمتعت في اوقات الفراغ بمجلس يوسف مسكوني الذي كان يجري فيه الشيء الكثير من البحوث الادبية والاجتماعية وتدور فيه النكت عن ذهول مسكوني وشرود ذهنه، بعضها كان واقعيا، والاخر منحولا يروى بقصد التفكهة، وكان الراوية الاكبر رشيدالدبوني، ورشيد الدبوني فضلا عما تربطه بمسكوني من الروابط الادبية والصداقة، فقد عملا معا في وزارة المعارف (التربية اليوم) وفي غرفة واحدة، فاذا ضم المجلس رشيدا فلا تسل عن مدى ما تبلغ النكات والنوادر عن مسكوني، وما لبث لطفي مسكوني – الدكتور لطفي اليوم – ان زاحم الدبوني بجمعه النكات والنوادر عن ابيه حتى اذا سافر لدراسة الدكتوراه الى لندن نابت عنه اخته السيدة امل مسكوني، وبدأت تجمع عن ابيها الشوارد. وهكذا كانت السيدة كلمبا واولادها والسيد مسكوني قد جعلوا بيتهم جنة لزائريهم، وديوانا قلما بحاكيه ديوان لما كانت تتخلله من مناقشات ادبية، وبحوث تنتهي في الغالب بعشاء لذيذ على مائدة مسكوني، بل الصحيح على مائدة السيدة كلمبا، وكان الذي يساعد مسكوني على البحث والمناقشة هو وجود المكتبة الواسعة التي يمتلكها يوسف مسكوني، والتي كان قد انفق كل عمره في جمعها ولاسيما المخطوطات النفيسة منها والتي كان يعول عليها مسكوني فيما يحقق ، ويعلق على ما طبع له من الآثار امثال:
1- سبط بن الجوزي.
2- من عبقريات نساء القرن التاسع عشر عند العرب.
3- شخصيات عربية باسم (شخصيات القدر).
4- نصارى كسكر وواسط قبل الاسلام.
5- الالحان والتراتيل الارامية والعربية في كنائس البلاد العربية.
ونشر بالمشاركة مع الدكتور مصطفى جواد رسائل في اللغة كتمام فصيح الكلام لابن فارس، والحدود في النحو، ومنازل الحروف.
وفي غير اللغة نشر رسالة في حوادث الجو للفيلسوف الكندي، وعلق على مخطوطة (كتاب الفاضل في صفة الادب الكامل) للوشاء، ومدن العراق القديمة.
وكانت مكتبته تحتوي على ما يقارب عشرة آلاف نسخة بين مخطوطة ومطبوعة، وقد اشتريت المخطوطات منها في حياته بألفي دينار بحث من زوجته وسداً للحاجة التي الزمتهم مثل ذلك، والا فليس شيء اعز عند مسكوني من الكتاب، وبيعت المطبوعات على وزارة الثقافة والاعلام بعد مماته بخمسة الاف دينار.
والغريب في أمر مسكوني انك لا ترى فيما خلّف من البحوث سواء التي اشترك فيها مع الدكتور مصطفى جواد والتي انفرد بها اي اثر لهذا الذهول الذي كان يتنذر به الاصدقاء، ويرويه رشيد الدبوني، ولطفي مسكوني، وامل مسكوني، وهو امر يدعو الى الدهشة، فقد قرأت له جل ما كتب ان لم يكن كل ما كتب، بل اني كثيرا ما طلبت اليه استخراج حساب التواريخ الهجرية بالميلادية وبالعكس لعدم وجود جدول عندي بهذه السنين ولإراحة نفسي من تطبيق القاعدة، فكان ينقله الي سالما وبدون أي اشتباه او سهو.
ومن ذهوله انه حين انتقل من بيته القديم الى بيت الايجار الجديد ظل مدة طويلة، وبين فترة واخرى يقصد داره القديمة ناسياً انه قد انتقل من هذه الدار، وقد نزلها سكان آخرون، فيطرق الباب، فاذا فتح له الباب، وعرف انه كان ساهيا اعتذر لساكني الدار وقال انه مر بهم ليتفقدهم ويسأل عنهم، ولما كان مسكوني لا يعرف الكذب ولم يتعوده لسانه يعود فيختم عذره قائلا:
ولكن الحق انه كان لم يزل يظن ان هذا البيت بيته، وان رجليه لم تعتد المشي الى بيته الجديد، ويتكرر هذا منه في كثير من المرّات حتى عرف سكان البيت منه هذا الذهول، فاذا ما فتحوا له الباب ضحكوا، وقالوا له تفضل، وتناول عندنا فنجان قهوة قبل ذهابك الى بيتك.
ويا ليته كان يعود الى بيته رأسا في تلك الايام التي انتقل فيها الى بيته الجديد وانما كان يلج احد بيوت الجيران، حتى اذا وجد ان الاهل غير اهله، وان البيت ليس ببيته سأل الجيران:
- ولكن اين بيتي يا ترى؟
فيدلّونه عليه!!
واشقق عليه انا بعض الاحيان، او اني اشك في صدق الحكاية التي تروى امامي عنه، والتي يسردها رشيد الدبوني، او لطفي مسكوني، او امل مسكوني، وانسبها انا الى التهويش، والتهريج، من هؤلاء بقصد المزاح، والملاطفة، وانكرها عليهم فيرد علي هو – رحمه الله – بان هذه الحكاية حقيقة واقعة!!
وكان مرة يزورني في مكتبي بدار التعارف وقد بعث باهل بيته الى بيتي ليظلوا بانتظاره حين ينتهي عملي، ونعود معا الى البيت، وشاء ان يتصل بالسيدة ام زهير بالتلفون في بيتي ليخبرها بانه سيجيء معي بعد نصف ساع، ثم طلب منها ان تسأل عن احوالي وتبلغني تحياته، فضكت وقلت له:
- ألست انا الى جانبك فكيف توصي السيدة ام زهير بان تبلغني تحياتك؟
قال – اعطفها على الكثير مما تعرف، وضحك...
***
وذات ليلة جاء حديث السيدة ام زهير، وفضلها على البيت، وتربية الاولاد، ورعايتها لزوجها، والمحافظة على صحته، وفتح بيته للزوار من اهل الفضل، والادب، وحتى الغرباء، من الذين يقدون لزيارة بغداد، فنظم البعض فيها ابياتا ضمنها الكثير من الدعابة والمزح، وكان ان اقترح علي ان اشارك في النظم وادلي بدلوي مع المدلين فكانت هذه الارجوزة الموجهة الى السيدة ام زهير.
سيدتي الكريمة اللبيبة
امّ زهير زهرة الشبيبة
لولاك ما كان بنو مسكوني
يحلون في النفوس والعيون
انت اتي ربيتهم صغارا
حتى بفضلك اغتدوا كبارا
ابوهم الندب الكريم (يوسف)
لولاك كم كان بحال يوسف
علمته كيف يكون قائما
وقاعدا، ويقظا، ونائما
علمته كيف يغالب الزمن
وكيف يخلو صدره من الاحسن
وكيف منك يأخذ الاشارة
ويحبك الكلام والعبارة
فانت كالرّبان في السفينة
له فحيث شئت تنزلينه
منازل الفضل واهل العلم
لولاك ما فاز باي سهم
كم مرة ضاع بوسط الشارع
لهفي عليه من صديق ضائع
عن بيته يسأل من يراه
في اي حارة ترى القاه
اضعت بيي واضعت نفسي
وما دريت اي جنس جنسي
ام زهير المرأة (الحبابة)
يا صورة للطف والنجابة
لولاك ما كان له كتاب
وليس من مكتبة تهاب
فهو مدير لك في صحته
اذ طالما باللطف قد اغرقته
غيبي رعاك الله – عنه شهرا
لا سمح الله يموت قهرا
بك استقام البيت واستنارا
يا خمرة ما ذاقها السكارى
اما بنوك الغر فالطبيب
والفلكي والفتى الاريب
لولاك من عرفهم وان هم
قد فاح مسك الطيبات منهم
ومن سواك يكرم الضيوفا
ويملأ الموائد الصنوفا
مرحبا باجمل الترحيب
ترحيبة الحبيب لحبيبه
فيمتلي البيت سرورا وفر ح
وتمرح النفس وتزداد مرح
حياك ربي قد حباك لطفا
وصورة مشرقة وعطفا
وما دام جاء مورد الشعر فلأذكر هنا ارجوزة اخرى نظمها ونحن مدعوون في بيت الدكتور علي كما الاختصاصي بالامراض العصبية وذلك على سبيل الاقتراح بان نقرأ شيئا على مائدة العشاء واقترح الحاضرون بان يكون هذا شعرا في الاستاذ يوسف مسكوني والسيدة كلنبه قرينته الفاضلة، فمسكت بالقلم، وشرعت مسترسلا فيما يمر بالخاطر، ولم ادر ان سيكون لهذا الذي مر بالخاطر مرورا خاطفا شأن بين الاصدقاء، إذ ما لبث ان استنسخ وقرئ في مجالس اخرى غير مجلس الدكتور علي كمال.
اما الارجوزة التي نظمت في بيت الدكتور علي كما وقرئت على مائدته فهي:
يا سيدي (يوسف) يا صديقي
اعز انسان من المخلوق
قبلك ما عرفت حسن النية
ولاطيوب النفس والسجية
ولم اكن اعرف معنى الخير
ولم اجد وزنا لشخص غيري
ففيك قد عرفت طيب النفس
وعنك قد اخذت اسمى درس
اذ انت فينا كالملاك الطاهر
باطنك المستور مثل الظاهر
انت مثال الخلق الرزين
انت من الابريز لا من طين
***
يا سيدي ويا اخي: مسكوني
يا ساكناً في القلب والعيون
لو كان ربي قد براني مثلك
وكان شكلي في حياتي: شكلك
وكانت السيدة الجليلة
- وهي شقيقتي – لي الحليلة
وهي التي تجلو صفاتي للورى
ليعرف الطيبة مني ويرى:
كل الذي لم يدر بعد من انا
ولم يجرب بعد ابناء الدنا:
بدير سمعان دخلت شهرا
استغفر الله – اقول دهرا
وكل ما كنت هناك افعل
اني الى رب الورى ابتهل
ادعو كما الراهب يدعو ربه
احفظ لنا يا ربنا : (كلنبه)
فهي وليس غيرها الحبيبة
مثال لطف ومثال طيبة
هي التي جاءت بنا الى هنا
من كان لولاها لطفها يعرفنا
والله لولاها لكنت في حذر
من مدخلي بيت طبيب مشتهر
طبيب عقل، لا طبيب بدن
الخالد الفن طوال الزمن
كم عالج العقول والاعصابا
ومن به مس شقي وطابا
ذاك (عليّ) وصفه (الكمال)
حقا وجدناه، كما قد قالوا
كنت اخاف ان اؤم داره
بل كنت اخشى ان اكون جاره
خشية ا توهمه الظنون
بانني مثل الالي: مجنون
***
لولاك يا سيدتي (كلنبه)
ما كنت احظى برضا الاحبة
ولم اكن استصحب الالوفا
وان اكون بينهم معروفا

ولم يكن يوسف مسكوني في الدنيا وحدها معروفا بين اخوانه بالسهو والنسيان وانما كان هناك فطاحل من رجال العلم والادب روى التاريخ القديم والحديث عن سهوهم وذهولهم روايات لا تكاد تصدق وقد قرأت مرة ان احد اساتذة الجامعة الرياضيين بباريس حينما كان يمشي في الطريق خطرت له معادلة رياضية اراد ان يجربها حالا، وقبل ان تشرد من ذهنه، وكانت هنالك عربة واقفة بالقرب منه فمد يده الى جيبه وكانت فيه قطعة من الطباشير فاخرجها وبدأ يضع حروف المعادلة وارقامها على الصفحة الخلفية من العربة كما لو كانت سبورة، او لوحة معدة للكتابة، وشرح يحل الرموز المفروضة، واذ ذاك صعد شخص الى العربة وساق الحوذي عربته، ماما الاستاذ فلم يكن منه الا ان استمر يركض خلف العربة لكي يواصل ترتيب المعادلة ويستخرج النتيجة، ولم يعرف كم ركض خلف العربة حتى وعى، ووقف ضاحكا، من نفسه!!
وليوسف مسكوني نفسه ابيات في زوجته كلنبه على اثر كملية جراحية اجريت لها يقول فيها:
يا زهرة القلب والايام عابسة
بحلو مبسمك الايام تبتسم
حملت من مضض الاسقام اعنفها
ونور وجهد بالالطاف يتسم
يكفيك (ام زهير) طول مصطبر
على النوى ليت هذا الجرح يلتئم
***
ولقد قرأت عن سهو توفيق الحكيم الذي يقال انه كثيرا ما يسهو، لقد قرأت عنه زعما بانه فوجئ وهو يقرأ في كتاب من قبل صديق طالما كان يتندر باخبار ذهوله، وذلك قبل ان يتزوج توفيق الحكيم بسنين طويلة، لقد فاجأه الصديق باستغراب قائلاً:
- انت هنا وتترك زوجتك خارجة من البيت تعمل ما تشاء؟
فلم يك من الحكيم – على ما تزعم الرواية – الا ان رمى بالكتاب جانبا واسرع الى البيت يسأل الخادم عن زوجته متى خرجت واين سارت وماذا قالت له؟!
فقال الخادم - : اية زوجة تعني يا سيدي ؟ وانت لم تتزوج حتى الان؟
وهناك وعى توفيق الحكيم وذكر بانه لم يتزوج لكي يسأل اين ذهبت زوجته؟ واعتقد ان هذه الرواية التي نقلتها الصحف هي من تلفيقات اهل الفكاهة.
ومن سهو يوسف مسكوني انه حينما جرى عقد ابنته امل، جاءه العريس ببعض بطاقات الدعوة ليوجهها الى الاصدقاء الذين يخصون بيت العروس، فجلس يوسف مسكوني يكتب اسماء المدعوين، ويرمي بالبطاقات في صندوق البريد، وفي اليوم التالي جاءت مسكوني بطاقة دعوة باسمه وموقعة بتوقيعه، وظهر انه كان قد وجه لنفسه بطاقة دعوة مثلما فعل مع المدعوين، والقى بها في البريد وجاءته الدعوة موجهة منه اليه!!
***
كان مسكوني من اكثر الملازمين لمجلس الاب انستاس الكرملي، واكثر من يحضر ما يجري من المناقشات الادبية واللغوية في ذلك المجلس الذي شده الى طائفة من اهل البحث والعلم امثال الدكتور مصطفى جواد، والشيخ كاظم الدجيلي وكوركيس عواد.
والى جانب البحوث التي كتبها يوسف مسكوني، والى الثروة العلمية الكبرى التي تمثلت في مكتبته، والى جانب ما قدم من خدمة في اثناء وظيفته كمدرس مخلص، وكمترجم في وزارة المعارف، وكمرب فاضل، فقد كان يتمتع بشيء اسمى من هذا واغلا، واثمن ما في الوجود من الذخائر، لقد كان يتمتع بصفات اقرب الى صفات القديسين من حيث صفاء النفس، وطهارة الضمير، ومحبة الناس، وكرم الخلق، ويوم ابنته في التلفزيون في ندوة شارك فيها الشاعر حافظ جميل، والذي كان قد رئاه بقصيدة عصماء، والاستاذ مير بصري، ضبط لي المسجل الكلمة المرتجلة التي انقلها هنا من شريط التلفزيون.
"انا من الذين يعتقدون ان الانسان اذا توفاه الله، ووقد على ربه انقطعت علاقته بالدنيا، فلا يسره مدح المادحين، ولا يضيره قدح القادحين، فانا اذا ما نعيت الصديق القديم الكريم والاستاذ الجليل يوسف يعقوب مسكوني، فانما انعى الفضيلة والاخلاق الكريمة، وطهارة النفس، ومن المؤسف ان الاستاذ حافظ جميل قد سد علي الطريق بقصيدته التي اتى بها على وصف الصديق فلم يترك لي شيئا لاقوله بعد هذا.
ان علاقتي بالفقيد ترجع الى اربعين سنة من قبل، وكان واسطة التعارف بيننا اديب له من المزايا، والاخلاق والصفات النادرة، كمثل ما لمسكوني الفقيد الى جانب الشعر والادب الذي كان يتجلى به، ذلك هو المرحوم عبد الستار القرغولي الذي كان قد شدني اليه التعليق بهذه المزايا كما شدني الى يوسف مسكوني فيما بعد، وهي مزايا قل اليوم من يتمثل بها او تتمثل به في دنيانا هذه التي طغت المادة فيها على كل شيء حتى تكالب الناس على البذخ والترف والاسراف وحتى قل هؤلاء الذين كانوا كهذا الفقيد الكبير من حيث الانسانية.
والفقيد الغالي لم يكن مسيحيا فحسب وان كان قد مثل المسيحية من حيث المحبة والصفاء، وانما كان مسلما ما دام من شروط المسلم ان يسلم الناس من يده ولسانه وقد والله لم يسلم الناس من يد فقيدنا ولسانه فحسب وانما سلموا حتى من التفكير في الشر، فلم يعاد مسكوني الناس، حتى في قلبه ، ولم يضمر لاحد حقد ، وليس من شك انه كان قديسا ومن افضل الناس.
وكثير من الناس من يزاول الادب فيجيده، وكثير من يفهم العلم فيحسنه ويتقنه، اما الذين يفهمون الانسانية، ويفهمون مبادئها، فانهم قليلون جدا وقد كان مسكوني من هذا القليل.
مات مسكوني، وبالرغم مني حضرت تشييعه فانا من هذه الناحية قليل الصبر، وهنالك في كنيسة السريان بكيته على قدر معرفتي لمحبتهن، وطيبه ولطفه الذي خسرته الانسانية فقل عدد امثاله بيننا.
ولد سنة 1930 م وتوفي في 11/4/1971 تغمده لله برحماته الواسعة وعوض الانسانية بهذه الخسارة الفادحة.

عن كتاب هكذا عرفتهم الجزء2



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية