العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :59
من الضيوف : 59
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33339073
عدد الزيارات اليوم : 8880
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من ذكريات سهيل سامي نادر..ذكرى استدعت ذكريات من حياتي المهنية

أحمل في داخلي ذكرى لم أسجلها  كتابة ، بل أغلقت عليها ، على الرغم من أنها أحرجتني مع فنان أحبه وأحب  عمله ، الا وهو رافع الناصري ، كما أنها أحرجتني مع نفسي .
الحكاية أنني  في السبعينات كنت أعمل في جريدة الجمهورية محررا في صفحة "آفاق" الثقافية  اليومية التي كان يديرها زميلي العزيز محمد كامل عارف .


 كانت صفحة تقدمية من حيث حرية الكتابة واختيار الموضوعات وأسلوب التحرير والمتابعة واستخدام الصور ، ويعود الفضل في استمرارها وثبات تقاليدها الى الزميل محمد الذي يتصف بالدقة وسعة الاطلاع والايمان برسالة التنوير .
لم أكن على وفاق كامل مع إيمانه الأخير ، ليس لأنه على خطأ بل لأني لا أمتلك ثقة بزماني ولا سيما من ناحية سياسية . كان يمتلك ايمانا منظما بالتقدم والعلم والتكنولوجيا والتنمية ، ولهذا فتح الصفحة لخبراء ومثقفين كتبوا في تلك الشؤون ، وربطوها بالتنمية العراقية . لم أكن أبخس هذه المواد حقها من الاهتمام ، لكني لا أوليها الجدية المطلوبة . كنت أمتلك حدساً سياسياً بأننا نعيش عرساً سينقلب مأتماً . ولعلي أعدت إنتاج هذا الحدس بالنقد الثقافي مع شيء من روح السجال والحزن وانعدام اليقين .
انتصر حدسي السياسي في النهاية متمثلا بسلسلة من التطورات :
أولا طُلب منا زيادة عدد الكتاب البعثيين ، رغم أننا لم نمنع أحدا من النشر في الصفحة ، وكان هناك عدد جيد من البعثيين يكتبون لنا . لكن المستوى الممتاز للصفحة وسعة قرائها شكلت تحدّياً ، وخلقت حولها سمعة ممتازة من الصعب اقتحامها إلاّ بمادة ذات بناء جيد وأفكار حيوية . لكن مثل أي شيء في العراق كان يجب دائما تقديم تنازلات وتسهيلات تستحيل إلى عادات وتوقعات مقترنة بهبوط في مستوى الأداء . ما زلت أتذكر أن أحدهم أعطاني 12 مقالة مرة واحدة عن قضايا التنمية ودور حزب البعث فيها تبدأ كلها بعبارة "مما لاشك فيه"!
ثانيا جاؤوا بمشرف سياسي ، يعمل صباحاً في أحد مكاتب القيادة القطرية أو القومية ، ومساءً يقرأ الصفحة قبل أن ترسل الى المطبعة – مشرف هو نسخة طبق الأصل من القوميسير السياسي على الطريقة السوفيتية. وكأي مشرف من هذا الطراز أتى مملوءا بأفكار مخطوءة عن شخصينا ، فعدّنا شيوعيين تارة ، وليبراليين تارة ، وعليه أن يفتح عينيه على "دسائسنا" ، وأن يعيد توجيه الستراتيجية الرئيسية للصفحة . بيد أنه بلا تدريب مهني ، ومهمته كانت الرقابة والفحص السياسي والفكري ليس الا. مصادر قوته أنه عدا كونه بعثيا يعمل في مركز قيادي فهو تكريتي .
لسبب غير مفهوم كان يطيل التحديق بكتاباتي ، ويتلذذ باكتشافاته الغاضبة والغريبة عنها ، ومن ثم عن شخصي، وأتذكر أنه طيلة الفترة التي مارس فيها وظيفته لم يتدخل في كتابات الآخرين الا في شطب كلمة هنا وكلمة هناك ، وأحيانا بعض الجمل ، لكنه كان يفلي كتاباتي . ولأنه لم يفهمها راح يوليها اهتماماً بوليسياً وتخريبياً ، فكان يتجرأ في تغيير وحذف بعض الجمل والتعابير دون إخباري ، ووصل به الأمر أنه راح يحوّل جملا منفية الى جمل مثبتة وبالعكس . لم أفهم حقيقة تدخلاته ودوافعها ، ولم أكن واثقا إن كان يتعمد أو أنه لا يفهم بحيث تنتابه الوساوس إزاء عمله كرقيب ، فيتخبط مبدداً مخاوفه .
ثم فهمت في ما بعد أنه يشك بأني أتعمد اللف والدوران، وهو المستقيم الواضح كان عليه أن يتدخل ، متلبسا دور المحرر الذي يقدم للقراء مواد صحفية مخدومة سهلة القراءة. والحال كان من المستحيل أن يفهم كتاباتي النقدية في الفن التشكيلي ، فأنا أصلا أتناول حقلا يتضمن صعوبات موضوعية ويستدعي المتابعة والفهم ومعرفة بالثقافة الفنية والبصرية ، وما كنت على استعداد أن أقوم بتبسيطها لخاطر عينيه.
كنت أرتجف من الغضب من تدخلاته التي لا معنى لها سياسياً ومهنياً ، وقد علمت من السيدة أمل الشرقي التي كانت مديرة قسم الترجمة في الجريدة آنذاك أن هذا الرجل يراني مخرباً ، أكتب بطريقة افعوانية ، وأدس السم بالعسل ، ولو خيّر لضربني "جلاق" وأخرجني من الجريدة . حاولت هي من جانبها أن تغير من وجهة نظره وتقنعه أنه مخطئ دون فائدة .
ثم حدث أنه رفع الكلفة مع المقالة التي كتبتها عن الفنان المهم رافع الناصري . أرادت المقالة النقدية توضيح العلاقة ما بين الطبيعة والثقافة في أعمال رافع ، ما بين موحيات الأفق المصنوع من تدرجات لونية ، والحروف العربية في بعدها الجمالي والمجردة من المعنى اللغوي . وببساطة كنت معني بجماليات الفنان الذي أعدّه أحد الرموز الفنية المهمة في الحركة التشكيلية العراقية . ولأن الموضوع واسع فقد جاءت المقالة طويلة نسبيا ضمت نحو 1100 كلمة ، لكن المقالة انتهت على يد هذا الرجل بنحو 400 كلمة . أصابني هذا التدخل المشين بالاحباط والالم ، وكنت متأكداً أنه لم يفهمها ، وليست في دائرة اهتماماته بأي حال من الأحوال . لقد اعتدت أن أصمت وأمارس اللامبالاة ، الا أنني هذه المرة واجهته بـ "لماذا؟" ووجه حانق . حدّق بوجهي طويلا ولم يجب ، الا أن تعابير وجهه وحركة أصابعه قالتا : وتسألني؟! . والحال أنني خمنت دوافعه التي وجدتها غاية في الغرابة وتسيء لي وللفنان ، فهي لا تخلو من ارتياب عشائري كون الفنان تكريتيا وعليه أن يحميه مني ، في حين لا انتماءات سياسية لرافع الناصري ، فضلا عن أنه أبعد الناس عن الاهتمام بالعشيرة والطائفة ، وظل طيلة حياته فنانا أصيلاً منتمياً لفنه ووطنه.
بسبب الصدمة لم أبحث عن مقالتي في المكان الذي تحتفظ به المسودات في المطبعة الا بعد أيام ، لكني لم أجدها . ولسبب لا أفهمه أقفلت على الموضوع كل هذا الزمن . أتذكره ثم أنساه . وها أنا أستعيده في الذكرى الخامسة لوفاة العزيز رافع يوم السابع من كانون الأول التي مرت قبل أيام .
لم تنته الحكاية عند هذا الحد ، بل تواصلت وتحولت الى شيء آخر أقرب الى الفكاهة التي عرفها بعض الاصدقاء ، والمثير فيها أن هذا الرجل غريب الأطوار بات صديقي .
بعد شهرين من هذا الموقف ، كنت أجلس قبالته أعد مواد جديدة للصفحة ، بينما كان يتفحص العدد الذي سيصدر بعد غد . خطر في بالي أن اتحرش به وأكشف دخيلته .
سألته : هل تسمح ؟ رفع رأسه وأجابني : طبعا .. تفضل!.
قلت : فهمت أنك تعتقد بأنني شيوعي أو ماركسي ، لكنني – والله - لست شيوعيا ولا ماركسيا ، انا فينومينولوجي . لكن لو سألتني ما الفينومينولوجيا فلن أجيبك لأني لا أعرف ما هي!
ندت منه قهقهة عالية ، جعلتني أضحك أنا الآخر ، ثم رفع كفه وضرب كفي بقوة بمصافحة حميمية . منذ ذلك الحين بتنا اصدقاء وانتهى تدخله في مقالاتي . أحببت منه هذه النهاية الجنونية ، وغفرت له سيئاته ، لكن مقالتي عن رافع ضاعت ولم استطع استعادتها حتى من الذاكرة .
بعد شهور صدر قرار مجلس قيادة الثورة بنقلي انا ومحمد كامل عارف الى وزارة المواصلات مع عدد من صحفيي الجريدة المحترفين ، فتأكد حدسي عن زماني السيء! . كان رد فعل هذا الرجل غير متوقع ، فقد أظهر تضامنه معنا واصفا القرار بالتعسفي والمستهدف فيه نحن كادر الجريدة المحترف والسيد سعد قاسم حمودي شخصيا، وقال هناك من له مصلحة ويد في هذا – وأشار الى الأعلى ، أي الى الطابق الخامس حيث مكاتب مجلة "الف باء"!
ورد اسم والدي في القرار خطأ : محمد بدلا من سامي . ويبدو أن الوشاة وكتّاب التقارير الذي استند قرار مجلس قيادة الثورة عليهم وحّدوا بين شخصيتي وشخصية الزميل محمد . عندما سجلت مباشرتي في العمل بوزارة المواصلات أخبرت مدير الأفراد بهذا الخطأ ، الا أن كتاب دار الجماهير للصحافة وكتاب انفكاكي عنها صححا هذا الخطأ بمعرفة ضمنية عن الشخص المقصود . مبدأ الهوية يعمل بقوة في الإدارات : أنا يساوي أنا . لا خطأ . أجابني مدير الافراد بطريقة تهكمية بعد أن قرأ قرار المجلس وكتاب دار الجماهير : أنت المقصود ، ولأنك أنت المقصود وصلت الى هنا بقدميك . بإمكانك تصحيح هذا الخطأ عند مجلس قيادة الثورة – وابتسم بخبث دون أن يرفع نظره عن الأوراق!
حكاية أنني لست شيوعيا بل فينومينولوجي انتشرت عند بعض الأصدقاء ، والغريب أن صديقاً صحفياً وناقداً إما صدّقها بجد وإما أراد أن يدعمني من دون أن يخسر طريقته في الاعلان عن نفسه بوصفه عارفا بالأفكار ، فكتب لوزير الثقافة مذكرة حاول فيها إقناعه بإرجاعي للعمل الصحفي بهذه الجملة المستنسخة من لعبتي مع حذلقاته : ( لقد أشيع عن الزميل سهيل سامي نادر بأنه شيوعي أو ماركسي لكنه في الحقيقة فينومينولوجي ) شخصاني ) .!
في تلك الأثناء كنت في الكويت أبحث عن عمل بعد أن قدمت استقالتي الى المؤسسة العامة للطيران المدني المنسب اليها من وزارة المواصلات ، فالاحداث التي جرت لي في هذه المؤسسة يشيب لها الرأس . لم أجد عملا في الكويت، لأن غالبية صحف الكويت لا تشغل عراقيين الا بمعرفة السفارة العراقية . عدت الى الوطن أجر أذيال الخيبة وكانت الحرب العراقية الايرانية في أشهرها الأولى.
ذهبنا أنا ورياض قاسم الى مكتب الصديق الذي أراد انتزاع إعجابنا ، فحدثنا طويلا عن مبادرته ومحاولته أن يزيل ظلما اقترف بحقي ، الا أن الوزير سامحه الله – وأعطى لرياض المذكرة لكي يقرأها. رياض الذي بدأ بتعابير جادة انتهى بضحكة زلزالية . ثم قال : عيني .. فينومينولوجي لا تعني شخصاني .. والله الوزير محق !
سلمني المذكرة لأقرأها بدوري . شعرت بقرد يتقافز في صدري ويريد الخروج . فضّلت أن أغسل يدي ، وبابتسامة عذبة شكرت له محاولته وتركت رياض يعاقبه بالنكات!
في ما بعد عرفت أن الوزير استشاط من وجود اصطلاحين دهريين في مذكرة داخلية ، لكنه تصرف بمقتضى الفضول الأمني والاداري ، إذ استدعى ضابط أمن الوزارة وسأله إن كان يعرف بوجود جماعة باسم الفينومينولوجيين أو الشخصانيين.
ضابط الأمن لا يعرف ، ووعد الوزير أن يبحث . بعد أن سأل هنا وهناك ، تلقى إجابتين : نفي واضح لا يقبل التأويل ، وكركرات ممن أدرك وجود لعبة !
الوزير الحاذق أنهى المشكلة بضربة معلم وكتب على المذكرة : لا أوافق !
بعد هذا التاريخ رحت أبيع الجوارب لكي أعيش!



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية