العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :64
من الضيوف : 64
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31699904
عدد الزيارات اليوم : 25388
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


جان دمو.. احدب نوتردام

رسول عدنان
لست ممن يكثر  الكتابة عن الآخرين أيا" كانوا -- تجنبا للصدام او الأحراج -- لذلك أعطي  رأيي بما يكتبون وليس بهم -- كنت و لا زلت من دعاة  النص  او ( موت المؤلف )  ---لكن الوضع مع شخصية أثارت الكثير من التساؤلات في حياتها و في مماتها  -- ليس لأبداعها الفذّ و لا لأدبها الراقي -- بل لسلوكها الغريب و حياتها  الأقرب الى الخرافة منها الى الواقع و الذي شكّل ظاهرة اجتماعية نادرة  الحصول في الوسط الثقافي العراقي بهذه الكيفية  --أنّها شخصية ( جان دمّو )  و سأطلق عليه لقب ( أحدب نوتردام )


 لما للأثنين الكثير من الصفات التي تجمعهما من بؤس و شقاء و تشرد و حب للآخرين و قلب كبير و أفق أكبر و سراب يسعون الى نيله دون ان يتحقق --أذن جان دمّو -- هذا البوهميّ حتى في مماته --لا أحد يعرفه الأ وينفر منه ويحبه و يشفق عليه و أيضا ينال شيئا من شتائمه التي لا تنتهي و التي لا يعني بها شيء غير أن ينفّس عن كربة ما او حاجة ما -- فهو لا يحقد و لا يحمل ضغينة على أحد..
عام 1984 تعرفت على جان دمّو برفقة صديقنا نصيف الناصري و الذي كان يعتبره بمثابة العرّاب ( البؤس و الشقاء و التشرد و الصعلكة و طبعا الشعر ) كانت العناوين الكبرى التي تجمعهما -- ذهبنا جميعا الى مقهى حسن عجمي وماهي الأ دقائق حتى بدأت ( تغريداته -- شتائمه ) تنهال عليّ و على نصيف دون رحمة -- و نصيف يحاول الأخذ بخاطري من الأنفعال -- حقا أنه لا يطاق كما سمعت عنه ( هكذا تمتمت بنفسي ) ، منذ ذلك الحين وانا أعرف جان دمّو و لكن أحاول تجنبه لسلاطه لسانه .
عام 1991 صدر حكم بالأعدام عليّ كان سببا بتركي العراق على عجل و لا وجهة أمامي غير الأردن و هكذا أستقر بي الحال بالأردن حتى عام 1994 عندما حصلت على ( عقد تدريس في ليبيا ) ، كانت هذه الفترة هي أكثر الفترات التي جمعتني بجان دمّو على مضض ،-كانت حياة جان ملأى بالكوارث المضحكة المبكية ( أنها كوميديا سوداء بحق ) -- الرجل دائما يتخذ موقفا ضد الظلم وغياب العدل كان وطنيا بحق ينصت لصوت الضعفاء والمحرومين، وهو كمبدع أصيل لم يعش حياته بجبن، مطمئن على نفسه بالصمت، رغم فقره و صعلكته و بؤسه  والنكران والقمع الذين عانى منهما، كان وطنيا بأعماقه  الجمال موجود أيضا بأعماقه الداخلية جمال ظهر أمامه في صورة صعلكة، أتخذها شعارا لحياته أو حياة لشعاراته في ( الحرية و الشعر و الحياة ) كأنّه يعتقد و يؤمن (وهو الصعلوك ) أن فناء جسده النحيل يعني استمرارية أعماقه الإنسانية الجميلة بالبقاء، لقد ظل جان، منعزلا عن العالم، عاجزا عن أي اتصال خارجي، كرمز لعاهة تبعده عن العالم، وكاتهام لمجتمع يعزل العاهة ويخفيها ويحتقر الضعيف وينهش المحرومين، وما يتحكم في كل ذلك هو منظومة المثل الحاكمة، لقد تحول جان إلى كيان منعدم وعاجز عن الفعل في الحياة فتحوّل الى ساخر منها و منتقم من نفسه بطريقة ( أهمالها المتعمد ) الى درجة الموت -- و هذا أيضا ما حاول ( فيكتور هيجو) ان يوصله عن بطل روايته الرائعة ( أحدب نوتردام ) -- من هنا كان ربطي جان دمّو بشخصية أحدب نوتردام جان و الكوميديا السوداء في عمّان
في بداية التسعينيات تفاجأنا بقدوم جان الى عمّان كيف وصل و كيف خرج لا أحد يعرف فجأة دخل علينا في مقهى العاصمة في وسط عمّان ( تمّ شراء المقهى من قبل سفارة النظام البعثي أنذاك ) لطرد أدباء المعارضة منه بتوصية من جواسيس النظام  -- هكذا بدأ جان حياة أخرى بعيدا عن بغداد التي أحبها و أحبته ويعرفها ويعرفه أهلها -- بغداد بيته الذي يتبوأ فيه حيث يشاء -- لا أحد يعرف كيف سيعيش جان في مدينة تقّدس المال و هو المعدم الفقير -- الوضع مختلف عن بغداد فهناك هو ليس بحاجة للمال أصلا كل شيء يأتي أليه من بوابة الكرم العراقي -- لابد أن يجد من يأخذه الى مطعم او مشرب او مسكن فالجميع يعرفه --لكن الوضع هنا صعب بل صعب جدا لدرجة الكارثة -- كلنا مهددون بأية لحظة و معدمون و حياة لا تتحمل الشفقة ولا الرحمة --أذن كيف سيعيش مثل جان بها --لكن ذات الطقوس مارسها جان ( الاستهزاء و توزيع الشتائم و السخرية من الآخرين ) وذات المواقف التي يتعرض لها كل مرة شعرية و شاعرية جان دمّو.
نعم جان للأسف عاش الشعر أكثر مما كتبه أنه مقتر لحد البخل في كتاباته و في كلماته -- بولاية قيصرية عسيرة تخرج قصائده -- التي يرممها و يحوّرها و اذا أستقر عليها يخبؤها و لا يطلع الآخرين عليها و كأنه يريد أن يحتفظ بها لنفسه وأحيانا يشترط علينا أن نشتري له ( الخمر و المأكل و دفع أجرة الفندق ) كي يتكرم علينا بقراءة قصيدته -- طبعا كنا ننصاع لشروطه لمسألة انسانية و ليس أبداعية -- أنا لا أستسيغ شعره او غالبية شعره -- لكن هنالك أسلوب و رصانة في كتابات -- أنه صائد ماهر للأسماك الطازجة فقط -- يرسم صوره بغرائبية جذابه يلتقط اليومي المحكي يوظفه بشكل أنيق محاولا رسم صوره بشكل مختلف أقرب الى جماعة كركوك ،فهو أحد فرسان هذه الجماعة التي أنطلقت بقصيدة النثر في العراق و الوطن العربي .
  كنت أميل كثيرا الى حسه النقدي فهو ذواق رغم صعوبة الوقوف على رأيه ، فرأيه عنيف يدعو الى أبدال مفردة او حذفها او أنهاء الجملة و كأنه في معركة معك  كم كنت أتمنى لو كتب نقدا بدل الشعر فله أراء دقيقة جدا في الشعر -- أذكر ذات يوما قرأت له قصيدة في شرفة مقهى السنترال في عمان و كان يقاطعني توقف هنا الجملة أنتهت لا تدع القصيدة تترهل لقد وصلت لما تريد قوله -- لماذا الاسترسال ؟--و انا أؤيد الرأي القائل بأنه  يعتبر ظاهرة حقيقية في الوسط الثقافي العراقي المعاصر بشكل خاص وظاهرة فريدة في الوسط الثقافي العربي عموماً، وكما يصفه الناقد عدنان حسين أحمد فهو (يشكّل ظاهرة حياتية متميزة، أكثر من كونه ظاهرة شعرية متفردة في الوسط الثقافي العراقي، بل أنه ببساطة كان يؤثث الأمكنة الثقافية العراقية، فلا معنى لمقهى "حسن عجمي" أو "اتحاد الأدباء" من دون جان دمو، أو زملائه العبثيين). وانا أصّر على رأيي و قد يكون قاسيا على محبيه و انا منهم فهو صديقا لي ، لكن نقده أفضل من شعره ، أمّا قيمة جان الحقيقية فهي تكمن في أولا" كونه أحد مؤسسي قصيدة النثر في العراق و الوطن العربي و قد أصّريت في كتاب شعري مع الشاعر الفلسطيني الصديق عز الدين المناصرة ( حول قصيدة النثر )  بأن قصيدة النثر أنطلقت من العراق على يد جماعة كركوك و لا يمكن أعطاء الريادة لمحمد الماغوط  وذلك لسببين هما : جماعة كركوك ظهرت بمشروع شعري موحد والأنطلاقة كانت في بداية الستينيات فلا مجال الى المقارنة في الريادة مع محمد الماغوط .
 على أية حالة ثانيا القيمة الثانية لجان كونه شكّل ظاهرة حياتية متميزة في الوسط الثقافي العراقي ثالثا غزارة ثقافته والذي ساعده بها هو أجادته للغة الإنكليزية على سبيل المثال كان يعد بودلير نبي القصيدة الحديثة ولا يشكل رامبو الآ حذاء لبودلير.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية