العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 34279336
عدد الزيارات اليوم : 25244
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ابا هاتف

د. محمد الحاج حمود
نحتفي  بذكرى رحيلك عنا بعد ان تركت لنا ارثا ثقافيا واخلاقيا وسياسيا نهتدي به ،  البساطة المتناهية ونكران الذات ابرز صفاتك ، لم تؤثر عليك مغريات إمارتك  للقبيلة من مناصرة الفلاحين .. قال البعض فيك بأنك تأثرت بأفكار الروائي  الروسي الكبير الذي ينتمي الى طبقة الملاك اجتماعيا ونصير الفلاح فكريا  تولستوي ( Tolstoy )


ولكني اقول بأمانة وأنا من عاصرتك فإن ارهاصات فكرة إنصاف الفلاح ظهرت عندك منذ صغرك قبل ان تطلّع على افكار الروائي الروسي تولستوي .ولعل مرد ذلك صحبتك لأبناء الفلاحين في مرابع الطفولة فلما اشتد عودك افصحت عن افكارك بعد وفاة الوالد رغم ما تلقيته من ضغوط من ابناء العمومة والعشائر بمراجعة افكارك واتهمت بالافكار الماركسية.
رغم انه كان لإخوتك الشبان الخمسة منحىً آخر في السياسة ، فلم تجد في ذلك شرخا في العائلة او تجاوزا على سلطتها او خروجا على الطاعة الاسرية ، وانت بمنزلة الاب لهم وللعائلة وكنت منتميا الى الحزب الوطني الدمقراطي وقائدا بارزا فيه ومرشحا لاحقاً لاول انتخابات تخوضها الجبهة الوطنية الانتخابية . كنت تضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار وتتراجع في مواجهتها الحزازات الحزبية والمصالح الفئوية وغيرها مما تغرق في متاهاتها الحياة السياسية اليوم .
أستذكر يوما وانا خجلٌ من مخاطبتهِ لاني اتعامل معه كأبٍ ورب عائلة وليس اخاً اكبر فقط ، وتحكمنا تقاليد اجتماعية صارمة ، قلت له يا أبا هاتف ! هل تعلم بأن البعض يتهمونك بالشيوعية ، وانت من قياديي الحزب الوطني الديموقراطي الذي يختلف عن الاحزاب الشيوعية .. قال لي : (اجلس بجانبي لاخبرك سبب اتهامهم لي : مناصرتي للفلاحين هي السبب قبل وبعد انتفاضتهم في شباط من عام 1954، لقد تبنيت حقوقهم وناصفتهم الغلة وجنبتهم قروض التجار والمرابين الجشعين ، أمّنت لهم احتياجاتهم , وحرمت المرابين الذين كانوا يعتاشون على حاجة وبساطة الفلاحين باستغلالهم لهم ، سلفتهم بدون فوائد وفتحت عنابر الغذاء لسد احتياجهم واجلت ما يترتب عليهم من استحقاقات المناصفة في السنين العجاف وعدم كفاية الحاصل الزراعي ، وهذه لا تروق لهؤلاء الملاكين والاقطاعيين والمرابين .. نعم انا شديد التطلع الى قراءة افكار منصفي الفقراء لا سيما المهاتما غاندي وتولستوي ولكن لم اقلد احدا وافكاري ومبادئي ورؤاي الخاصة بي قد تلتقي مع افكارهم ومبادئهم وما زلت متمسكا بها واقتنائي مؤلفات كبار المفكرين وخاصة ذوي الفكر اليساري لا يعني سوى المعرفة والاستفادة من افكارهم وتجاربهم العظيمة .
عاصرته انسانا صاحب مبادئ ، وثقة عالية بالنفس ، ومن نافلة القول ان اذكر هنا مطالبته لعبد الكريم قاسم بضرورة إشراك الجماعات السياسية في جبهة الاتحاد الوطني عند تأليفه الوزارة الثانية او تأليفها من المستقلين وهي موثقة حاليا في مكتبته المتنوعة العامرة لحد الآن وعندما لم يلبَّ طلب الحزب قدم الاستقالة انسجاما مع ما يؤمن به من مبادئ ونكران ذات واعطى درسا بليغا قبل نصف قرن في الالتزام بنهج الحزب الوطني اليمقراطي الذي ينتمي اليه ، وبجمهوره الذي يسانده ، وأقترن القول بالفعل بمواقفه وهو بذلك قدم مثلا ما اجدر الاقتداء به واستلهامه في حياتنا السياسية اليوم . ولعل التاريخ يعيد نفسه ولكن باتجاه مغاير تماما عندما تطلب بعض الكتل السياسة من وزرائها التي رشحتهم بالاستقالة في حالة عدم الايفاء بالالتزامات التي اتفقوا عليها قبل تشكيل الحكومة يتمرد البعض منهم ويقدم مصلحته الشخصية على مصلحة كتلته السياسية وجمهوره الذي انتخبه.
هذه الممارسة العملية لهديب رفعت من مكانته ليس في حزبه ،(الحزب الوطني الديموقراطي) ،فحسب بل بين اوساط الفلاحين حتى سمي قانون مناصفة الحاصلات بـ(قانون هديب) ، رغم عدم تطبيقه واهماله من قبل السلطة والإقطاعيين ، وكذلك ازدادت مكانته السياسية في نظر الحركة الديمقراطية العراقية بمختلف توجهاتها ، باعتباره رائدا في هذا المجال ..حتى أطلق عليه لقب ( تولستوي العراق( .
لابد من الاشارة هنا إلى انه هو من ثقف نفسه ذاتيا وكان من المغرمين في قراءة الكتب والقصص التاريخية ، كان كثير التأثر بقصص الروائي الروسي الشهير ( ديستوفسكي ), ومعجبا كل الاعجاب بالزعيم الوطني الهندي (غاندي) ، زعيم الحركة الوطنية الهندية ضد الاستعمار البريطاني ، ومتأثرا في اسلوبه النضالي ( اللاعنفي)، في الحركة الوطنية والعمل السياسي ضد الاحتلال البريطاني ومن كان متعاوناً مع الاحتلال الذين يطلق عليهم بـ( الراجات) .
ليس سرا او غريبا موقعه الطبقي ، فهو من الشيوخ المالكين وكان المفروض ان يكون مع السلطة الملكية ..لكنه انسلخ عن هذا الموقع وساهم في تطبيق افكاره الاصلاحية وتحرير الفلاحين من جور وظلم المؤسسة الاقطاعية واول ما قام به هو إلغاء قانون دعاوي العشائر المدنيىة والجزائية الذي كان يحابي شيخ العشيرة ويزيد من عبودية الفلاح له وذلك بعد اسبوعين على نجاح الثورة ومساهمته لا بل من متبنياته سن قانون الاصلاح الزراعي في 30 ايلول 1958 .
كان عازفا عن السلطة عندما بدأت الإخفاقات في اركانها .. التزم الانسحاب منها بقي امينا على مبادئه نزيها لم ينزلق الى المهاترات السياسية ولم يكن متطرفا في آرائه وحين نحا بعض السياسيين منحى بعيدا عن الواقع فضّل قريته منبع صباه ملازما لكتبه واوراقه ، يجتمع بنا وبإخوته وبأبناء عشيرته واولاده واحفاده يحنو علينا يزرع فينا الطيب والاخلاق وحب الوطن .
كان غانديّ الهوى في معارضته السلمية في كلا العهدين الملكي والجمهوري بعيدا عن الاساليب العنفية لإيصال روأه وافكاره ، وكان تولستوي السلوك باحتضانه طبقة الفلاحين المسحوقة آنذاك فاستحق لقب شيخ السياسة البيضاء ... هو امير لقبيلة معروفة ، وأبوه من قاتل قوات الاحتلال في الشعيبة .
ذكرى رحيله نحتفي بها كل عام.. انت في قلوبنا يا أبا هاتف فنم قرير العين ، ونحن على دربك سائرون، وعلى الأمانة حافظون.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية