العدد (4552) الثلاثاء 2019/ 21/11 (انتفاضة تشرين 2019)       أساتذة ومحامون يكتبون مسودة دستور بخيمة المتظاهرين       ميادين التظاهر وساحات الاعتصام...       بعد إطلاق سراحها.. الناشطة ماري محمد تتحدث عن ظروف اختطافها: كنت في سجن انفرادي، ولم أتعرض للتعذيب       الطلبة الأكثر مشاركة بالإضراب الذي دخل يومه الخامس       حين تُشرعن الدولة العنف ضد المتظاهرين       بعد مرحلة القناص والرصاص الحي وقنابل الغاز، العبوات الناسفة تستهدف منازل المتظاهرين في ذي قار       اخترق جسده الرصاص وتوقف قلبه.. قصة متظاهر في بغداد "عاد بعد الموت"!       علـى أبـواب الخضـراء       "الحراك الشعبي" في بابل يطالب بإعادة رسم الخريطة السياسية    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 53
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28682243
عدد الزيارات اليوم : 5734
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سارتر في الثقافة العربية

علي بدر

حين نقول سارتر، نعني الثقافة الحسية والشعبية المجنونة التي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة الستينيات، يعني نمط وأسلوب الحياة الجديدة الذي صدره الحي اللاتيني والسان جرمان دوبريه، يعني عالم المقاهي والملاهي ودور النشر والمكتبات على إيقاع موسيقى الجاز والشانسون الفرنسي الذي بلغ ذروة تجليه مع الصوت الساحر لإديث بياف، ولشارلز آزنافور الذي غنى أغنية LaBoheme نشيد الفنانين والشعراء في المونمارتر،


 حين نقول سارتر نعني البوهيمية الروائية بعد أن اطلق الكتاب مشاعرهم وغرائزهم، غارقين في الملذات والأحاسيس والمتع بنَهَم كبير، نعني الفلسفة التي هبطت إلى الشارع، إلى الحياة، إلى المنزل، إلى المقهى كي تعتق الفرد من العوائق الاجتماعية والسياسية وتعيش معه متبطلة في المقاهي والشوارع والملاهي.

حين نقول سارتر نعني صورة نجم الثقافة الذي يحيط به مريدوه الاطلنطيون من المولعين بالفكر والإبداع والالتزام والحرية، نعني الامبراطور الثقافي الذي جلس على عرش السان جرمان دوبريه محاطا بجوقة من المعجبين والمعجبات من ممثلين وممثلات ومطربات وعارضات أزياء وكاتبات مبتدئات وطالبات، نعني سارتر الساحر بمفاهميه الشاملة وحركاته الإغوائية بالرغم من دمامته، سارتر الامتثالي بالرغم من مبادرته السياسية، وتعليقاته الملغمة، ونشاطاته الثقافية الكثيرة، سارتر الفنان الساحر بالرغم من العدمية المتشائمة والسوداوية التي طبعت كتاباته، سارتر المرح والساخر بالرغم من كفاحه السياسي الجاد، سارتر ساحر الجميلات، زير النساء الذي يغوي الفاتنات بفضل جاذبيته الفكرية.

ولكن من أين كان للثقافة العربية ان تدخل عالم سارتر؟ من الالتزام الشرس، من الحرية المطلقة، من رجل الغليون... من الفيلسوف الذي يمشي على الأرض، يدخن ويكتب الأغاني ويزعج الكثيرين بشهرته وصداقاته مع النساء؟ من البوهيمي الذي يشكل خطراً على القيم الأخلاقية، من المناضل السياسي المؤمن بالاشتراكية، والمتعاطف مع الشيوعيين، أم من معادي الستالينية وقاهر الشيوعيين. من سارتر المفكر الأوروبي الصاخب، أم سارتر العالمثالثي في مقدمة (معذبو الأرض) لفرانز فانون. من سارتر الدوغمائي في نقاشه مع عبدالكبير الخطيبي حول المسألة اليهودية أم من سارتر المتمرد في تطبيع أفكار ألبير ميمي عن تحول الثقافات واكتساب الشفرات. من سارتر المتشائم في نقاشه مع المسيو نافيل عن الوجودية أم من سارتر المتعدد، والمتغير في أفكاره وحياته. من سارتر النص الحر غير الخاضع إلى قيود أم من سارتر الملتزم. من سارتر المقيد بالنص أم من قديس النظرة الليبرالية الذي رأى في وجود الفرد غاية بذاتها. والذي جعل من حد الحرية المطلقة شرطا للالتزام. من الطفل البرجوازي الذي عاش لحظة اللا فعل بشكل أبدي أم من سارتر الأزمنة الحديثة. المختبر الفكري والأدبي في الخمسينيات، من سارتر المدافع عن الجزائر مع كاتب ياسين ومحمد ديب. المناضل في دعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية واستعداده لإيواء المناضلين الجزائريين الذين تطاردهم الشرطة الفرنسية. أم من سارتر المنخرط المحموم مع الصهيونية. من سارتر المنظِّر السياسي في عمله النظري الضخم نقد العقل الجدلي أم من سارتر المتضامن البسيط والشعبي مع فيتنام في الحرب الأمريكية. من سارتر الرافض لجائزة نوبل أم من سارتر المطبِّع للوجودية كتيار متقدم في الحياة الثقافية. من سارتر الغثيان الذي فضح الحياة البرجوازية الزائفة والمصطنعة أم من سارتر الباحث عن الجمال وهو ينزع عن الجسد قدسيته؟.

من هذا المفتتح كان عليّ أن استهل روايتي بابا سارتر وأنا أبحث عن سارتر المعادي لسارتر في الثقافة العربية، أو بالأحرى في جزء من الثقافة، وهي ثقافة استلابية عبرت طوال الخمسينات والستينات عن عجز ونكوص كاملين في فهم سارتر أو تقديمه، كان عليّ أن أبحث عن سارتر المضاد لسارتر في جزء من الثقافة المعاصرة التي تخلت عن شفرتها مع أول إطلالة لهذه الشخصية الساحرة دون تمييز شديد بين الفكرة وبين امكانات تحققها، أو على الأقل بين الفكرة وبين ظلالها، ولدى مثقفين مهمين لا يتعلق الأمر لديهم بمهزلة عالمثالثية، أو بخداع ماكر، إنما بمواقف وقناعات وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية، أنا أجادل هنا: إن سارتر في نسخته العربية لم يكن في حقيقته نهاية لعرض خطير من الأفكار المشوهة، والمواقف المختلفة، والقناعات دون تمثيل حقيقي أو استيعاب صريح فقط، إنما كان نوعا من عدم الكفاءة الأخلاقية والاجتماعية والفكرية لدى بعض المثقفين، حيث دخل سارتر إلى الثقافة العربية بقدر كبير من الاختلاق، والكذب والتزييف... والأمر لم يكن عرضا على الاطلاق، فهناك صراع رمزي على سارتر ذاته وعلى أفكاره بين أعتى تيارين ثقافيين في الخمسينيات والستينيات بين جماعة الآداب وجماعة شعر.

فجماعة الآداب الممثلة بسهيل إدريس وعبدالله عبدالدايم وأميل شويري وغيرهم كانت تعبر عن ربط عضوي بين القومية والوجودية كشرط لازم للالتزام السياسي الأخلاقي والاجتماعي في الممارسة الأدبية، وبالرغم من ان هذا الربط كان ربطا اعتباطيا بطبيعة الأمر، إلا ان جماعة الآداب خاضت صراعا ضاريا مع جماعة شعر الممثلة بيوسف الخال وأدونيس والذين وجدوا في المفهوم الوجودي للحرية الفردية، وتحرر الكائن من الغائية الشرط اللازم للممارسة الأدبية، وهكذا أنتجت الوجودية تيارين متناقضين ومتصارعين، وأصبح سارتر هو الرأسمال الرمزي الذي تتدافع القوى الثقافية والسياسية لتملكه والاحتياز عليه، فما هو الالتزام السارتري نسبة للقوميين؟ وما هي الحرية الأدبية والثقافية والفكرية نسبة لليبراليين؟

كان مفهوم الالتزام السارتري أكثر تعقيداً مما طرحته الآداب مثلما كانت الحرية السارترية أكثر تعقيداً مما طرحته مجلة شعر... فماذا تبقى من سارتر في الثقافة العربية؟.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية