العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :78
من الضيوف : 78
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 34413530
عدد الزيارات اليوم : 15744
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


طرائف من يوميات مصطفى علي لسنة 1956

عبد الحميد الرشودي
في عام  1978 بدأ المرحوم الاستاذ مصطفى علي يصفي اوراقه الخاصة فسلمني شطرا منها  وهو يقول: خذ هذه الاوراق واجل نظرك فيها فان وجدت بينها ما يستحق النشر  بعد وفاتي فانت مخول بنشره مطلق اليد في اتلاف ما لا ترى فائدة ترجى منه  وكان بين تلك الاوراق تقويم لعام 1956 دون فيه ماعن له من اليوميات  والخواطر التي استوحاها من احداث ذلك العام



او مما يقابله من ايام الاعوام الخالية متخذا من الفراغ الذي بين ايام الاسبوع مجالا للكتابة وحين انصرم عام 1956 كتب خاتمة شرح فيها الاسباب والدواعي التي حملته على تدوين تلك اليوميات وما لقيه من التعب والنصب في كتابتها قال:
"انقضى عام 1956 وختمت بانقضائه هذه اليوميات.
* لا اغالي اذا ما قلت: انني قاسيت في تدوينها صعوبة ولقيت نصبا الان.. اقف في اعقاب العام الراحل مستعرضا ما اوحى الي من يوميات مستنطقا ذاكرتي عن الدافع الذي سبب الي تدوينها واغراني به لقد طرقت باب ذاكرتي وواليت الطرق ولم افز لطلال وكل ما استطعات ان تسعفني به ان الدافع هو هذا التقويم؟! هذا السبب المادي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟! اصحيح ان في استطاعته ان تسرني على ان الزم نفسي هذا الزام، وارضى لها هذا القيد، كان صبرها طوال عام كامل على ادار واجب شديد الوطأة.
كان الباعث اذن فوق ذلك.. انه حافز كان لي عميق الاثر شرد عن الفكر وند بي الذهن فغاب بين تضاعيف العام اختفى بي طيات ايامه ولياليه والا كان الذين تعودوا ان يدونوا يومياتهم يرضون على انفسهم ما فرضته على ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟، ولا يكرهونها على ان تكتب اية في مطلع كل يوم.. ولكنني شذذت عنهم ولامر خفيت عني في وقته شذذت.
من هذا قد بدا لي ان نشر هذه اليوميات، بقضها وفضيضها امر نذر لذا فقد رخصت لنفسي ان اقطفي منها شذرات متوخيا ما فيه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ادبية او فائدة تاريخية يدلي بها شاهد من شهود الصدر الاول من هذا القرن على ان اتبعها بشذيرات اخر في مستأنف الايام:
1- خوف الزهاوي من الموت:
* كان جميل الزهاوي (الذي يحب ان ينعت بالشاعر الفيلسوف) يخاف من الموت ويضطرب ذكره، فقيل له ذات يوم ان العلمايء سيتغلبون عما قريب على الموت فاجاب، وحب الخلود يطغي عليه: اخشى ان يكون ذلك بعد ان نموت:
2- انتحار عاشق:
* جرى ذكر منتحر فاخذنا في انتقاده ووصمناه بالضعف والجبن. فاسال الرصافي عن سبب انتحاره، ولما علم انه الحب عذره، فقلت له: اذن انت تبرر الانتحار في سبيل الحب؟! فاعتدل في جلسته وضغط على محجبته (عصاه) بيسراه واشار الي بسبابة يمناه قائلا: "شوف" اقوى رابطة في الدنيا هي رابطة الذين، وهذه الرابطة تذوب امام الحب كما يذوب الثلج امام النار.
3- سعد صالح والادب:
* صادفني سعد صالح مرة وبيدي كتاب ادبي فنصحني ان اترك الادب واتخلى عن دراسة الشعر وان اتخذ لي مبدءا مادي في الحياة اسوة فيه.. ولما اصيب بمرضه العضال الذي اودى بحياه لم يجد سميرا ولانديما سامعا يشكو اليه بثه واساه غير الشعر فنظم وهو يصارع ذلك الداء الوبيل قصيدته "الاشباح الثلاثة".
* شديد على نفس الحر ان تلجثه عوامل وضرورات العيش الى ان يمارس عملا لايميل اليه طبعه ولا تالفه نفسه!!! ولو وسد كل ذي اختصاص مركزه واسند اليه العمل الذي يتقنه لما مشينا القهقرى في كل امورنا ولكن لعن الله الاستعمار الذي رمانا بهذه الداهية الدهماء تعزيزا لمركزه.
4- ذكرى الرصافي:
* يصادف هذا اليوم (16/اذار) ذكرى وفاة الرصافي وليس هذا اليوم وحده الذي يذكرني به، فذكراه لم تبرح خاطري وسابقى منه على ذكر مادمت حيا، وكل ما اتمناه وارجوه هو ان تساعف الايام لاقوم باداء ماله في عنقي من عهد.
5- مدافع الكلام:
* عند احتلال الانكليز شاع ان احد قوادهم او سياسييهم بلغه ان العراقيين يشتمون بريطانيا وينتقدون سوء تصرف الجيش المحتل فاجاب: هل لديهم مدفع يقابلوننا به؟ فقيل له لا؟ فقال: اذن فيتكلموا ما يشاؤون. فهل افهمهم الزمن ان الكلام اشد وقعا من المدفع؟!
6- وفاة رفائيل بطي:
* فقدت في هذا اليوم (الاثنين 9 نيسان 1956) اخا مخلصا وصديقا صدوقا هو الماسوف عليه رفائيل بطي صاحب جريدة البلاد فقد سكت قلبه وهو ما زال يتدفق حيوية ونشاطا.
خسارتي برفائيل كبيرة ومصيبتي به شديدة وحزني عليه عميق فالصديق الوفي لايعوض.
بدأت صداقتنا ونحن طالبان بدار المعلمين سنة 1919 ولم تزدها الايام الا تاييدا ورسوخا، ان ابا بديع نعى الى نفسي.
7- نوري ثابت "حبزبوز":
* تمر بالمرء لحظات حرجة تربكه فلا يدري ماذا يصنع ولايدري كيف يخرج من مأزقها، وقد يرجح ان يؤذي نفسه ويكظم اذاه على ان يمس عاطفة صاحبه، ويخدشها. وقد مرب بي كثير من هذه اللحظات الحرجة.
احدى تلك اللحظات انني زرت نوري ثابت صاحب جريدة "حبزبوز" قبيل وفاته وكان عائدا من لبنان حيث يستشفي من السل فرايته مضطجعا على فراشه وقد انتفخ جسمه ورما وبيده خلال يخلل اسنانه وحين حييته رمى الخلال ومد يده يصافحني.. ماذا اصنع؟!
اامتنع عن مصافحته ووقع ذلك سيء في نفسه؟! اذن عدم مجيئي كان اولى.. صافحته بكل بشاشة ولم ادعه يشعر بشيء.
9- شاعر الخمرة:
جرى ذكر الخمريات فقلت لم يسبق ابا نواس فيها سابق فقال الرصافي ولا لحقه لاحق.
ولعل فكرته هذه جعلته يبتعد عن وصف الخمر الا في ثلاثة اماكن من شعره.
10- اكذوبة برودة دم الانكليز:
* اشتهر الانكليز ببرودة الدم وكنت وما زلت اعزو هذه الخصلة فيهم الى ان الظروف وضعتهم في موضع الحاكم المستعمر والا فانهم كغيرهم يثورون اذا اثيروا ويغضبون اذا احرجوا وتضيق صدورهم اذا اعيتهم الحجة واعوزهم الدليل واضرب لتأييد رأيي مثلين:
اولهما (المستر هـ منك) وهو الانكليزي الوحيد الذي اتصلت به وكان مدير كمرك بغداد. عرفني به حسين الرحال احد موظفي دائرته سنة 1925 لادرسه اللغة العربية ولكنني استشففت من حديثه انه يطمع ان اقوم له باعمال اخرى وكان يحرضني على ترك "كلية" الحقوق ويغريني بتعييني معاونا عنده.
كان يستدرجني فيحدثني في السياسة كثيرا وكانت تؤلمه صراحتي في الحديث وفي ثلاث مرات – على ما اتذكر – ضاق صدره وترك الدرس ونحن في اوله وفرك السيكارة بين اصابعه ونهض بشيء غير قليل من الغضب قائلا: "في امان الله".
وثانيهما (المستر دراور) مستشار وزارة العدلية التي شغلت فيها ملاحظية الذاتية نحو سنتين واربعة اشهر، ويظهر انه كان يكرهني لابتعادي عنه وتجنيني اياه، ولست متكبرا عليه ولا متنجبا عنه لانني بحكم عملي الرسمي مرتبط بمديرية العدلية العامة لا بالمستشار.
جائني يوما كاتب المستشار يدعوني الى مقابلته فذهبت اليه فسالني عن امر يتعلق بالذاتية وما كدت اجيبه حتى غضب والتفت الى كاتبه يؤنبه قائلا له بالعربية : "تجيب لي هذا! جيب لي واحد يفتهم، وكان حاضرا احد رؤساء المحاكم من الانكليز.
لم اتالم لغضبته الانكليزية – لا المضرية! – بل اتيته بما يعزز رايي واطلعته عليه فسكت عنه الغضب وثاب الى رشده، ولعله ندم على ما بدر منه فقال بثغر باسم: عفوا! اشكرك!..
ضربت مثلا رجلين من كبار موظفي الانكليزي ومثقفيهم الذين اشتغلوا في العراق، اما الضباط والجنود في عهد الاحتلال وما اظهروا من نزق وحدة طبع واعتداء فاعمالهم من الفظاظة بمكان وليس هذا اوان التحدث عنها.
11- رسالة سجين:
* وافاني كتاب من سجين (في 29 مايس 1956) يعلن فيه اعجابه بالرصافي وبسعد صالح وبي.. وليس لي ان انازعه فيما ينزع اليه من رأي فهو حر له ان يعجب بناوله او يزدرينا ويحتقرنا بل العجب انه يخاطبني – "الدحداح" فيقول: "الى.. الدحداح..." (وهو القصير اللملم) وما انا كذلك وهبني دحداحا فهل من مستلزمات المخاطبة ان ينعت المخاطب بصفاته الخلقية؟!
لعله يفهم من "دحداح" معنى اخر!
12- الطاعون والهيضة في بغداد:
* منذ اعوام تخلص العراق من وباءين فتاكين هما الطاعون والهيضة واذكر ان اعنف طاعون اجتاح بغداد كان في الحرب العاليمة الاولى، واشد هيضة داهمتها كانت سنة 1926 فحصدا نفوسا كثيرة وعدت ضحاياهما بالالاف.
13- نهر دجلة يفيض في الخريف:
* يفيض نهر دجلة عادة في الربيع فخالف عادته سنة 1914 وفاض في الخريف فاغرق الجانب الشرقي من بغداد صادف الفيضان المحرم سنة 1331 لان شاعرا ارخه بقوله:
عام به الماء في عاشورا حين طغى على الرصافة قد ارخت (بالغرق) وفي رواية "في تشرين" و(بالغرق) في حساب الجمل تساوي 1331 هاجمت المياه جانب الرصافة من جهته الشرقية (جهة الشيخ عمر) وهدءت الدور التي في تلك الجهة كلها فهجرها اهلها الى الجوامع والخانات واقامت المياه طيلة الشتاء فاسنت وطحلبت وفي الربيع انتشر الطاعون ببغداد وظل يفتك فتكه الذريع الى نهاية الصيف.

حفلة مدرسية
في ربيع 1921 احتفلت مدرستا الثانوية والحيدرية بمناسبة انتقالهما الى بناية المدرسة المامونية بالميدان التي كان يشغلها الجيش البريطاني المحتل ورؤى ان تقام الحفلة في سطح المدرسة بالنظر الى الموسم فلم يوافق المهندس البريطاني بحجة انها توهن السطح وتفضي الى سقوطه.
ان سبب المنع سياسي، لان بغداد كانت قريبة عهد بالحركة الوطنية واقامة الحفلات في الجوامع وبالتصفيق الذي كان يمزق اهاب السكون في الليالي فيقع من المستعمر وقوع الصاعقة فحاذرت السلطة المحتلة ان تعيد هذه الحفلة الى الاذهان ذكرى تلك الحفلات ولاسيما تصفيق الاستحسان الذي يبتعثه من الحاضرين خطيب موفق او شاعر مجيد.
كان الزهاوي احد الشعراء الذين اختارتهم ادارتا المدرستين فجرى امامه ذكر الحجة التي احتج بها المهندس لمنع اقامة الحفلة في سطح المدرسة فقال قائل: ان المهندس غير مخلص وغير صادق في تقريره والا فلا خوف على السطح بنسبة تسعة وتسعين من المئة فاجابه الزهاوي، وشبح الموت يتراءى له ليكن ما اراد المهندس فلعل الواحد يتغلب على التسعة والتسعين!!
في هذه الحفلة انشد الزهاوي قصيدة فلكية طويلة وهي الهمزية التي يقول في مطلعها.
انت مما تبدينه من صفاء
ياسماء العراق خير سماء
* وانشد الرصافي قصيدته، نحن والماضي، وهي اول قصيدة انشدها ببغداد بعد عودته اليها من القدس فكان لها وقع شديد وقامت عليه قيامة الصحف منددة به زاعمة انه يروم قطع الصلة بماضينا. وفي مطلع العام الدراسي الجديد صارت تحفظ للتلاميذّ!!
حدثني الرصافي قائلا: جئت ذات يوم الى داري فرأيت سلمان الشيخ داود قد سبقني اليها وبيده صحيفة يطالعها، فقلت له: ماذا تقرأ؟ فاجاب قصيدتك، نحن والماضي، فسألته: انت اول من هاجمني في الصحف عندما انشدتها قبل سنوات ما رأيك فيها الان؟
فاجاب، انك على حق يا استاذ وقد اصبحت اول مؤيديك فيما ذهبت اليه.

 هواية موسيقية
نشات شديد الرغبة في ان اتقن الضرب على آلة موسيقية، ولاسيما العود، لانها الالة المفضلة عندي ولو ساعدت الايام لبرعت في هذا الفن كل البراعة وتفوقت كل التفوق.
لقد حاولت في عهد الشباب ان اتعلم استجابة لتلك الرغبة النفسية فاشتريت عودا وتقدمت تقدما نال اعجاب معلمي.
كنا نسكن في حي "قنبر علي" من احياء بغداد القديمة في زقاق غير نافذ من ازقته، ومثل هذا الزقاق بحكم العادات والتقاليد الموروثة بمثابة دار والدور التي فيه بمثابة غرف فكانهم ابناء اسرة واحدة تعيش في دار واحدة يتأثر بعضهم ببعض ارادوا ام لم يريدوا.
ان الظروف التي كانت تكتشفني عرقلت مساعي وافسدت علي خطتي ومنهاجي، وصرت كلما قطعت شوطا في تلقن ذلك الفن عرض ما ادى الى ان اهجره مدة انسى خلالها ما تعلمت فاعود من جديد.
فقد صادف اثناء تعلمي ان توفي احد الجيران او الاقرباء فتركت العزف حدادا عليه مدة طويلة لا تقل عن ستة اشهر وما اكاد اعاود بعدها الا وافاجا بموت آخر حتى ضقت ذرعا ووهبت احد الاصدقاء ذلك العود لينقذني منه ومن شؤمه!..

 مكتبتي
لي مكتبة هي كل ما املك من حطام الدنيا تضم اكثر من خمسة الاف كتاب ولكنها الان، مجمدة، لامجال للانتفاع بها.. وذلك ما يغيظني ويريبني في ان دواب الارض عاثت بها فسادا؟
الذي يخفف قليلا من الشجن هو انني لست بصدد مراجعتها الان بسبب ما صبته الحياة من بلاء على رأسي فابعدتني عنها. والجاتني الى الاشتغال بالقضاء والانغماس في منازعات الناس وخلافاتهم ومصاحبة الجرائم والمجرمين.
عينت حاكما بالبصرة سنة 1950 فذهبت وحيدا وتركت المكتبة ببغداد وصادف ان انتقل اهلي من دارهم الاولى الى دار بنوها في الصليخ ولما نقلوا المكتبة كدسوها فجعلوا عاليها سافلها وما وضعوا منها في الخزائن فعلى غير نظام.. ان ما في مكتبتي هذه ليس كل ما شريته من الكتب فقد خسرت منها الشيء الكثير ولا ابالغ اذا قلت: ان ما فقدته منها يعد بالمئات فقد كنت لا ابخل باعارة كتبي لمن يروم مطالعتها.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية