العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :84
من الضيوف : 84
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33265661
عدد الزيارات اليوم : 25758
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ازمة سياسية وسقوط وزارة الانقلاب سنة 1937

عبد القادر البراك
صحفي عراقي راحل
في  التاسع عشر من شهر حزيران عام 1937 فوجئ رئيس الوزراء حكمت سليمان بثلاث   استقالات على مكتبه رفعها كل من كامل الجادرجي وزير الاقتصاد والمواصلات   وجعفر أبو التمن وزير المالية ويوسف عز الدين وزير المعارف، وكان هؤلاء   الوزراء الثلاثة يمثلون جماعة الأهالي
 في الوزارة التي تشكلت أثر الانقلاب العسكري الذي قام به الفريق بكر صدقي يوم 29 تشرين الأول عام 1936 وأطاح بوزارة ياسين الهاشمي.


خطوات جريئة
المعروف عن ياسين الهاشمي كونه سياسياً وطنياً قومي الاتجاه اشتهر بمعارضته لمعاهدة 1922 التي وافق عليها أول مجلس تأسيسي تشكل بعد الاستقلال ومعارضته لمعاهدة 1930 التي أبرمها نوري السعيد مع بريطانيا
وله مواقف تجاه الإنكليز كانت تعتبر في الظروف السائدة يوم ذاك خطوات جريئة قلما يخاطر في تبنيها أي سياسي في بلد حديث الاستقلال كالعراق حتى أن بعض الصحف في سوريا ومصر أطلقت عليه لقب (بسمارك العرب) إشارة الى دعوته للجامعة العربية.

جماعة الأهالي
أما جماعة الأهالي فهم عبارة عن تجمع ضم شباناً من المثقفين الذين أنهوا دراساتهم العليا خارج العراق وعادوا متأثرين بالمفاهيم السياسية الغربية التي سادت أوربا أثر إنتهاء الحرب العالمية الأولى وهم كل من محمد حديد وحسين جميل وعبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل، وكان الهدف الذي يدعو إليه التجمع هو التخلص من قيود معاهدة 1930 وتحقيق الاستقلال الكامل للعراق وهو مطلب تبنته الحركة الوطنية العراقية التي كان ياسين الهاشمي أحد رموزها ولكن الشيء الذي امتازت به هذه النخبة المثقفة هو تبنيها للديمقراطية كأسلوب لتحقيق حكم وطني سليم، يقول السيد حسين جميل (إن العمل الوطني والعمل لتحقيق الديمقراطية كانا متلازمين في فكر جماعة الأهالي)، وقد قررت الجماعة إصدار جريدة ناطقة باسمها هي (الأهالي) التي صدرت أوائل عام 1932 ولم يكن كامل الجادرجي من مؤسسي جماعة الأهالي لأنه كان منتمياً الى حزب الشعب الذي يترأسه الهاشمي وبعد توقف هذا الحزب لعدم الانسجام بين أعضائه المؤسسين اشترك الجادرجي مع الهاشمي في تأسيس حزب جديد هو حزب الإخاء الوطني الذي سرعان ما عقد تحالفاً مع الحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن ثم انضم الى هذا التحالف عدد من الساسة المعارضين أمثال رشيد عالي الكيلاني وحكمت سليمان، لقد شكل هذا التكتل النيابي المعارض خطراً على التيار السياسي المؤيد لمعاهدة 1930 ما دفع الملك فيصل الأول الى العمل على حله فعمد الى تكليف رشيد عالي لتأليف الوزارة فشكلها في آذار عام 1933 واختار معه ياسين الهاشمي وزيراً للمالية وحكمت سليمان وزيراً للداخلية وفي الوقت نفسه تجاهل الكيلاني تحالفه مع الحزب الوطني فلم يضم في وزارته ممثلاً عنه كما بقي الجادرجي خارج الوزارة.

أفضل وسيلة لكسب المؤيدين
لقد أدت هذه التطورات الى ابتعاد الجادرجي عن ياسين الهاشمي ولجوئه الى جماعة الأهالي حيث رأى ان أفكار أعضاء الجماعة أقرب إليه مما كان يدعو له الهاشمي والكيلاني، وهكذا انضم الى الجماعة عام 1933 ثم نجح في ضم جعفر أبو التمن الذي سبق أن أعلن اعتزاله العمل السياسي، وعندما استقالت وزارة الكيلاني بعد نحو ستة أشهر سعى الجادرجي الى اقامة نوع من التفاهم بين أبو التمن وحكمت سليمان وهكذا تكونت كتلة سياسية أسسها جماعة الأهالي تضم عدداً من الوزراء السابقين وعدداً من المثقفين من ذوي الطموحات السياسية والاجتماعية التي اكتسبوها خلال دراستهم في أوروبا والولايات المتحدة. رأت جماعة الأهالي أن أفضل وسيلة لكسب المؤيدين هي الدعاية وإن خير من يعبر عن آرائها وأفكارها هي الصحافة وقد بذلوا قصارى جهدهم في استمرار صدور صحيفة تنطق بلسانهم برغم لجوء السلطات الى المصادرة والغلق.
ما هي الأفكار التي تبناها أعضاء جماعة الأهالي والتي عبروا عنها من خلال جرائدهم التي كانوا يعتبرونها لسان حالهم كـ (الأهالي) و (صوت الأهالي) و (المبدأ) وغيرها؟
تؤمن الجماعة بأن علة العلل في تأخر العراق هي فقدان الحياة الديمقراطية وإن المدخل لإصلاح الأوضاع هو إقامة النظام الديمقراطي الذي يعكس حاجات الشعب ورغباته، وإن احتفاظ الشعب بالسيادة هو الأصل في كل وضع سليم مستتب وليس من حارس لمنافع الشعب كالشعب ذاته وإن النظام البعيد جداً عن الديمقراطية الحقيقية بعيد جداً عن الشعب لأنه قائم على أساس استخدام السواد الأعظم لفائدة فئة قليلة من الرأس ماليين، وهكذا كانت صحف الأهالي لا تكاد تخلو من الدعوة الى الديمقراطية في افتتاحياتها اليومية التي كان يحررها أعضاء الجماعة وفي مقدمتهم الجادرجي، هذا من الناحية المعنوية أما من الناحية العملية فقد تبنت الجماعة العمل السري بعد ان تمكن الجادرجي من تولي زمام القيادة فيها وكانت جمعية السعي لمكافحة الأمية الواجهة العلنية لتنظيم سياسي سري ضم عدداً من الشباب المثقف المتعطش للمساهمة في العمل السياسي.
إن الأمر الذي يجلب النظر في هذه الجماعة هو الأسس البرجوازية التي ينتمي إليها معظم الأعضاء ومع ذلك فقد كانوا يشيدون بالتقدم الذي أحرزته روسيا في المجال الاقتصادي بفضل النظام الاشتراكي والشيوعي ويهاجمون الفكرة القومية باعتبارها خطوة استعمارية تقود الشعب نحو الحرب، كما بادروا الى طبع وتوزيع منشورات سرية تهاجم الحكومات القائمة وتدعو الى الثورة وإزالة الفوارق بين الطبقات وتطبيق الديمقراطية في الحكم.

اتصالات سرية
وعندما رأى حكمت سليمان نفسه بعيداً عن الحكم بعد أن تخلى عنه أصحابه المعارضين أمثال ياسين الهاشمي ورشيد عالي سمح لنفسه أن يطرق أبواب الجيش فأجرى اتصالات سرية بعلم الجماعة ومعرفة كامل الجادرجي نفسه مع الفريق بكر صدقي.
وذكر الجادرجي أن بعض الاجتماعات كانت تعقد في داره، وعندما نضجت فكرة الانقلاب لدى حكمت سليمان وبكر صدقي عرض الأمر على الجماعة فاتفق الجميع بما فيهم أبو التمن والجادرجي على معاضدة الانقلاب ودعمه باعتباره السبيل الوحيد لتغيير الوضع.
وفي الاجتماع نفسه الذي حضره بكر صدقي كتب محمد حديد عضو الجماعة البيان رقم (1) وخطاباً موجهاً الى الملك غازي ذكر فيه مطالب الجيش وأهمها إقامة وزارة الهاشمي وتكليف حكمت سليمان وتشكيل وزارة من أبناء البلاد المخلصين.

من المعارضة للحكم
في صباح يوم الخميس 29 تشرين الأول عام 1936 تم تنفيذ عملية الانقلاب بقيادة بكر صدقي وأرغم ياسين الهاشمي على الاستقالة وسارع الملك الى تكليف حكمت سليمان لتشكيل الوزارة فشكلها ودخلها كل من جعفر أبو التمن للمالية وكامل الجادرجي للاقتصاد والمواصلات ويوسف عز الدين إبراهيم للمعارف، وهكذا انتقل أعضاء جماعة الأهالي من المعارضة الى الحكم عن طريق الانقلاب العسكري باعتباره آخر مسلك من المسالك الديمقراطية للوصول الى سدة الحكم، وكانت الصحف الناطقة باسم جماعة الأهالي تنتقد بشدة المناورات التي كان يلجأ إليها الساسة لإسقاط خصومهم في الحكم كتحريض العشائر على التمرد وتشجيع القلاقل وعدم الاستقرار في بعض المحافظات، وقد وجهت الاتهامات الى كل من ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني باعتبارهما محور المناورات غير الديمقراطية، كما انتقدت تلك الصحف اشتراك الهاشمي والكيلاني بالحكم في ظل معاهدة 1930 وهما من أشد المعارضين لها.
أما الجادرجي فقد استقال من حزب الإخاء احتجاجاً على موافقة الكيلاني على تشكيل الوزارة واشتراك الهاشمي فيها.
لقد كانت المبادئ والمثل التي تبنتها الجماعة مثار إعجاب الشباب وخصوصاً المثقفين الذين كانوا يتطلعون نحو مستقبل أفضل للعراق الحديث وكان طلاب المدارس والكليات يتنافسون لاقتناء الصحف الناطقة بلسانهم رغم مراقبة السلطات.

انقلاب حاسم
كان يوم الانقلاب حاسماً في مسيرة جماعة الأهالي كونه يشكل نهاية مرحلة جديدة بسمات تتناقض كلياً مع ما كانت تدعو اليه الجماعة من قيم أساسها الديمقراطية، فقد شاركوا في الحكم عقب انقلاب عسكري ساهموا في الإعداد له وقد قتل في الساعات الأولى من وقوعه وزير الدفاع جعفر العسكري ودفن في الموضع الذي اغتيل فيه ثم سفرت عائلته قسراً الى القاهرة من دون ان يرفع أي مسؤول صوته استنكاراً لما حدث، كما جرى تهديد كبار رجال الدولة من السياسيين الذين غادروا القطر حفاظاً على حياتهم أمثال ياسين الهاشمي ورشيد عالي ونوري السعيد وغيرهم، وأحيل طه الهاشمي رئيس أركان الجيش الى التقاعد وأجبر على البقاء خارج العراق، وفي أول لقاء جرى بين رئيس الوزراء الجديد والسفير البريطاني أكد حكمت سليمان حرص حكومته على الاحتفاظ بعلاقات ايجابية مع بريطانيا وفقاً لمقتضيات معاهدة 1930 التي طالما انتقدها أعضاء جماعة الأهالي ودعوا الى إلغائها بمؤازرة جعفر أبو التمن!

خيبة أمل كبيرة
ومهما يكن من أمر فقد أصيب مؤيدو جماعة الأهالي بخيبة أمل كبيرة إزاء حملة الإرهاب التي شنها النظام الجديد ضد خصومه والتي لم يسبق لها مثيل في العراق منذ الاستقلال ولما شعر الوزراء من أعضاء جمعية الأهالي بحراجة موقفهم لجأوا الى تقديم استقالة جماعية فإذا بالنظام الذي شاركوا في إقامته ينقلب عليهم ويهدد حياتهم مما دفع بكامل الجادرجي الى مغادرة العراق واللجوء الى قبرص.بعد سقوط النظام أثر اغتيال بكر صدقي يوم 11 آب 1937 عاد من المنفى جماعة الأهالي مع من عاد من السياسيين المبعدين وانشغل أعضاء الجماعة في تبرير اشتراكهم في الانقلاب ومما قالوه (يجوز للديمقراطية عدم التقيد بالوسائل السلمية ويحق لها سلوك طريق الثورة ولو كانت بقوة السلاح).
لقد جوبه هذا التبرير من قبل بعض الأوساط الوطنية باعتبار أن الديمقراطية لا يمكن أن تلتقي مع العنف بل إنها تستمد وجودها من ابتعادها عن العنف، ان لجوء جماعة الأهالي الى الانقلاب لا يعني لجوءها الى سلوك ديمقراطي عنيف حيث لا وجود لمثل هذا المفهوم وإنما يعني بكل بساطة تخليها عن الديمقراطية في سبيل الوصول الى الحكم وقد دفع أعضاء الجماعة ثمن خطيئتهم تلك.
جريدة  الاتحاد
شباط/ 1987



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية