العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :45
من الضيوف : 45
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 34277862
عدد الزيارات اليوم : 23770
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


بدايات العلاقات بين العراق والاتحاد السوفيتي

ريسان عامر
لعل من نافلة  القول أن الضرورة العلمية تحتم مدخلاً جغرافياً لهذا الموضوع، لأهمية  الجغرافية في صنع القرار السياسي، كما وأن الخيارات السياسية لا يمكن ان  تتحقق الا من خلال الثوابت الجغرافية، لأن السلوك السياسي لكل دولة يمثل  انعكاساً لتاريخها، وتاريخها هو نتاج الثوابت الجغرافية إلى حد بعيد. ولعل  هذا ينطبق على تاريخ روسيا منذ عهد القياصرة إلى ايام الاتحاد السوفيتي.


وأن الحقيقة الجغرافية الأولى في علاقة الاتحاد السوفيتي بالعالم العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص هي أنه القوة العظمى التي تكاد تتاخم العالم العربي أرضياً، ولو أن هناك برزخاً اجنبياً فاصلاً.
ويرى بعض كبار الباحثين في العالم العربي ان مصالح الاتحاد السوفيتي في المنطقة العربية هي مصلحة سلبية يمكن ان يطلق عليه مصلحة حرمان  ويعني حرمان الغرب من المنطقة كقاعدة، إستراتيجية حاسمة تهدده مباشرة، وكمستودع لأهم ثروات العالم.
فقد اهتمت روسيا ومنذ القرن السابع عشر في الوصول الى المياه الدافئة (مياه الخليج العربي). فالقياصرة جميعهم كانوا يأملون الوصول الى تلك المياه عبر توسعهم نحو الجنوب وكان بطرس الأكبر (Buttres al- Akbar) أكثرهم اهتماماً بذلك.
من هنا احتل العراق موقعاً مهماً بالنسبة للعالم، مما اثار اهتمام مختلف الدول الكبرى ومنها روسيا، وعلى ضوء ما تقدم فقد بدء الاهتمام الروسي بالعراق منذ عام 1901، إذ بدء التجار والشركات الروسية يسيرون رحلاتهم اليه من خلال مدينة البصرة، وبذلك بدأت روسيا تنافس الدول الأجنبية والتي لها مصالح واحتكارات في العراق، مثل النمسا ولاسيما في توريد الاخشاب الى جانب السندات الروسية والتي أصبحت الأهم في مدينة البصرة.
وبالرغم من عدم استقلال العراق في نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن روسيا، افتتحت لها قنصلية في مدينة البصرة. ويبدو ان الاسراع بفتح القنصلية السوفيتية في العراق على الرغم من تبعيته العثمانية يرجع لتشخيص روسيا مواطن الضعف والانحلال في الدولة العثمانية والتي بدأت بوادرها تلوح من خلال هزائمها المتكررة في أكثر من موقع اولاً، ولإشتداد حدة التنافس الاستعماري في المنطقة ثانياً، ومحاولة روسيا تثبيت أقدامها قبل غيرها ثالثاً.
وفي عام 1909 ، اهتم لينين (Lineen) بالعراق وذلك لاستقراءه سياسة العصر، ومنها سعي بريطانيا المتواصل للسيطرة على امارات الخليج العربي وكذلك المعاهدة (الانكلو-المانية) بتاريخ 5 تموز 1914.
بدأت معالم الموقف الروسي تتوضح اكثر من خلال معارضتها مشروع سكة حديد (بغداد - برلين) بشدة لأسباب اقتصادية وسياسية زاعمة ان ذلك سيؤثر في الثروة التي تجنيها من مصادر بترولها في الجنوب، بعد ان تستغل الموارد البترولية في مدينة الموصل، فضلا عن أسباب اقتصادية وعسكرية تتعلق بموقع العراق. وان هذا المشروع سيمنح الدولة العثمانية قوة اكبر على مواجهة روسيا في حالة اندلاع الحرب بينهما.
وتأسيساً على ما تقدم بدأت روسيا تراقب الأحداث باهتمام كبير وتتحين الفرص للاقتراب من العراق، وقد سنحت لها الفرصة اثناء الحرب العالمية الأولى، وبعدها ففي اثناء عقد (معاهدة سايكس-بيكو) عام 1916، طلبت روسيا في حال سيطرتها على كردستان العراق والى ما وراء ولاية الموصل، لكن ذلك لم يحدث إذ تضمنت الاتفاقية فيما تضمنت، إخضاع المضايق التركية واسطنبول وارمينية للحكم الروسي.
واثناء الحرب العالمية الاولى توغلت القوات الروسية، داخل الاراضي العراقية من جهة الشرق عند خانقين، إذ احتلتها القوات الروسية في نيسان من عام 1917.
وفي عام 1920، بدأ الاهتمام الروسي بالعراق يظهر بشكل واضح وجلي ومن خلال مؤشرات رسمية، اذ عقد مؤتمر باكو  في العام نفسه، إذ ركز إلى دعوة الفلاحين وتحريضهم ضد الدول الغربية وتشكيل الاحزاب الشيوعية والتي ترتبط بالشيوعية الأمميه وتلتزم بقراراتها.
وتؤكد بعض الوثائق على ان الحكومة العراقية والتي تشكلت بعد الثورة العراقية الكبرى 1920، قد حاولت بناء علاقات مع الاتحاد السوفيتي، ويفيد القنصل السوفيتي في تركيا ان ممثلاً عن الحكومة العراقية وصل الى تركيا لهذا الغرض.
وهنا اود ان اسجل ان هذا التاريخ لا يمكن عده بداية للعلاقات الدولية بين البلدين والتي تقتضيه العلاقات الدولية ان تقوم بين وحدتين سياسيتين كاملتي الاهلية، ولعدم تمتع العراق آنذاك بالاستقلال وخضوعه للانتداب البريطاني.
نال العراق الاستقلال الرسمي في 3 تشرين الأول 1932، وبهذا أصبح مؤهلا لان يقيم علاقات مع دول العالم ويرتبط معها، ومع ذلك لم يبادر العراق والاتحاد السوفيتي إلى اقامة أية علاقات بينهما، والراجح ان السبب يرجع الى ان العراق وبعد خروجه من الانتداب دخل في معاهدة مع بريطانيا  في 30 حزيران 1930. أسست إلى تحالف وثيق بين البلدين، ونصت ضمن ما نصت عليه، اجراء مشاورات تامة بينهما في شؤون السياسة الخارجية جميعها وهذا على ما يبدو فرض على العراق قيودا أثقلت كاهله، وحدت من حركته وقراره السياسي ومن ثم أخرت نمو العلاقات الطبيعية للعراق مع بعض الدول ومنها الاتحاد السوفيتي.
وهكذا أصبح الأمر أكثر صعوبة أمام تأسيس علاقات عراقية سوفيتية طيلة عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته بفعل تأثير المعاهدات العراقية-البريطانية ووجود فئة سياسية مهيمنة على القرار السياسي في العراق وصاحبة النفوذ فيه، وترتبط بعلاقات وثيقة مع بريطانيا، وفي مقدمة تلك الفئة نوري السعيد الذي كان أول الرافضين لعرض وزير الخارجية السوفيتي لتفينوف (Letvenoof) عام 1930 بتبادل التمثيل الدبلوماسي بين العراق والاتحاد السوفيتي، بحجة أنعدام الدوافع الحقيقية، وان ذلك سيؤدي الى انتشار الدعاية الشيوعية في العراق.
وفي عام 1940، أبدى الاتحاد السوفيتي رغبته باقامة علاقات دولية مع العراق، وذلك بعد الزيارة التي قام بها كامل الكيلاني الى انقره، ومقابلة الوزير السوفيتي المفوض، واعرب السفير السوفيتي عن رغبته وحكومته في تأسيس علاقات ودية بين البلدين الامر الذي عارضته بريطانيا بشدة.
وبعد اندلاع حركة مايس 1941، وفي ظل الظروف الدولية الجديدة التي أوجدتها الحرب العالمية الثانية، اراد قادة الحركة المعادية للسياسة البريطانية استغلال الوضع الدولي والتخلص من الهيمنة البريطانية، وبدأ التفكير باقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي، ومن جانبه، اعتبر الاتحاد السوفيتي الحركة موجهة ضد الاستعمار والامبريالية والفاشية وحاولوا استثمار ذلك.
طلب قادة حركة مايس 1941، اقامة علاقات سريعة مع الاتحاد السوفيتي وضرورة تزويد العراق بالذخائر والاسلحة عن طريق المانيا، لكن الجانب السوفيتي لم يوافق بحجة لا يوجد بند بالاتفاقية الموقعة مع المانيا يسمح للسوفيت بتوريد الذخائر.
ومما تجدر الاشارة اليه ان لحركة مايس وقعها على الاتحاد السوفيتي الذي اعترف بها وشجب المحاولات البريطانية لقلبها، وابدى السوفيت رغبتهم في
مساعدة حكومة الدفاع الوطني، برئاسة الكيلاني  وقام السفير السوفيتي بدور كبير لدعم ما يحصل في العراق، إذ دفع ذلك لأعتراف عدد من الدول بحكومة الدفاع الوطني مثل المانيا وايطاليا والمجر وبلغاريا ورومانيا.وكتبت صحيفة البرافدا السوفيتية في 19مايس1941 تعليقا على احداث العراق وقالت فيه "... أن حكومة فخامة السيد رشيد عالي الكيلاني قد وضعت شروطا لانهاء النزاع في حينه، الجلاء لجميع القوات البريطانية من العراق وقد اظهرت بهذا الكلام للجميع لكلا الفريقين المتحاربين في هذه الحرب الاستعمارية، ان الامم الصغيرة لا يمكن ان تكون دوما ساحات حرب بسهولة، كما كان يعتقد الانكليز".

نشأة العلاقات الدبلوماسية 1944- 1958
بعد مفاوضات طويلة بين البلدين وصل الوزير المفوض السوفيتي كريكوري تينوفيتش زايتسف  وكان ذلك في الثامن من شباط عام 1945، وقدم اوراق اعتماده مع رسالة للوصي من رئاسة المجلس الاعلى لاتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. ولكن الحكومة العراقية تأخرت في ارسال بعثتها حتى العام 16تشرين الأول1945 إذ عُين عباس مهدي اول وزير عراقي مفوض لدى الاتحاد السوفيتي، وكان يعمل قبل ذلك سكرتيرا في المفوضية العراقية في طهران.
ويبدو ان الحكومة العراقية ترددت في أرسال بعثتها لحين انتهاء غبار الحرب العالمية الثانية، وانتظار نتائجها، وربما انتظار الموقف البريطاني والذي اتضح بعد الحرب، إذ انفرط عقد التحالف البريطاني السوفيتي، والذي انعكس بعد ذلك على طبيعة العلاقات العراقية السوفيتية.
ومع ذلك استمرت العلاقة بين البلدين دون المستوى المطلوب، وبعد انتهاء
الحرب العالمية الثانية وعودة التنافس السوفيتي البريطاني الى سابق عهده. يضاف اليه تزايد نشاط الحزب الشيوعي العراقي، دفع الحكومة العراقية الى اتباع جملة أساليب من أجل الحد من نشاط المفوضية السوفيتية في بغداد.
وكان للممارسات التي قامت بها الدول الغربية للضغط على الحكومات العربية، ومنها العراق للوقوف بوجه المد الشيوعي، وذلك من خلال اصدار بعض القوانين، مثل اسقاط الجنسية العراقية عمن يروج للشيوعية بهدف عدم الانفتاح على الاتحاد السوفيتي، أو اقامة علاقات في مختلف المجالات عبر الترويج للمبادئ التي تتقاطع مع العقيدة الاسلامية والثقافة العربية، لذلك لاقى الفكر الشيوعي هذا الخوف والتوجس من الجماهير العربية.
وفي هذه الاثناء ازدادت التوجهات الغربية نحو الشرق الاوسط، وتمثل ذلك في طرح المشروعات الغربية لتشكيل احلاف وتكتلات تهدف بالاساس الى تطويق الاتحاد السوفيتي.لذلك بادر الاتحاد السوفيتي، باتخاذ المواقف المعارضة لهذه التوجهات، فوجهت موسكو مذكرات تهديديه الى العراق، واقطار عربية أخرى وقوبلت تلك المذكرات بالتجاهل من الحكومة العراقية معتبرة ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية وشنت الصحف العراقية نقداً لاذعا لذلك التدخل لأنه منافي لقواعد العلاقات بين الدول.
وربما كان لسياسة الاحلاف والتكتلات ما يثير هواجس ومخاوف الاتحاد السوفيتي لاسيما بعد فشل المشاريع الاستعمارية في منطقة يعدّها من أهم مناطق نفوذه.
وعلى ضوء مواقف الاتحاد السوفيتي من القضية العربية واستغلال الدول الغربية هذه المواقف لا بعاد السوفيت عن الساحة العربية، لم تشهد العلاقات العراقية السوفيتية في خمسينيات القرن الماضي اي تطور. بل شهدت زيادة في الشك المتبادل بينهما، أسهم في ذلك موقف الحزب الشيوعي العراقي ولم تشهد تلك الحقبة سوى محطتين دبلوماسيتين تقليديتين لهذا العلاقة الاولى في 6 آذار 1953، عندما بعث رئيس مجلس الوزراء العراقي آنذاك جميل المدفعي  برقية تعزية بمناسبة وفاة ستالين  عام 1953، والثانية كانت بتاريخ 6 نيسان 1954، عندما تعرض العراق لخطر الفيضان في ذلك العام إذ قابل القائم بالاعمال السوفيتية كريكوري زايتسف رئيس الوزراء العراقي وابلغه تبرع جمعية الصليب الاحمر السوفيتية، بمبلغ (120) الف روبل الى جمعية الهلال الاحمر العراقية.
ومما تجدر الاشارة اليه ان السعي السوفيتي، لكسب الصداقة العربية بدأ بعد موت ستالين، وبدء ذلك واضحا في تأييد السوفيت للمطالب العربية في الامم المتحدة في صراعها مع (اسرائيل) وبالمقابل حاولت الولايات المتحدة ان تجر الدول العربية للاتفاق مع الغرب في محاولة للحد من انتشار النفوذ السوفيتي في الوطن العربي، وكان السوفيت ينصحون بعدم التورط وذلك من خلال سياسة التعايش السلمي، وبدأ الاتحاد السوفيتي بالتقرب من الدول العربية.
اثارت سياسة الانفتاح بعد ستالين قلقا بالغا لدى الغرب لاسيما بعدما ظهر السوفيت كمنافسين لسوق السلاح الغربية.
وعلى ضوء ما تقدم، بدأت الدول الغربية تشعر ان سياسة العزلة قد انتهت، ولهذا بادرت الى جر المنطقة وبشكل خاص العراق الى مواقف يكون فيه رأس الرمح اتجاه الاتحاد السوفيتي، ومن ثم يعطي لتلك الدول القدرة على الحركة والتأثير من خلال العراق للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي، فعملوا على اقامة حلف بغداد وضم الى جانب العراق الدول التي تكون طوقا محكما للاتحاد السوفيتي من الجنوب.
وأرادت الدول الغربية من العراق ومن وراء انضمامه الى حلف بغداد تحقيق هدفين، الأول: هو الوقوف بوجه المد القومي القادم من مصر والثاني : هو الوقوف بوجه التأثير او المد الشيوعي القادم من الاتحاد السوفيتي فضلا عن السيطرة على السياسة الخارجية العراقية.
وتؤكد احدى الوثائق العراقية على أن الهدف من وراء اشتراك العراق في حلف بغداد هو للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي الذي ينوي التحرك نحو الشرق الاوسط، إذ تقول الوثيقة "... انه اذا ما حدثت حركة من جانب الروس ضد الشرق الاوسط، فان هدفهم أي الروس يكون الوصول الى قناة السويس، واقرب طريق للوصول الى هذه المنطقة هي عن طريق (تبريز – موصل – سوريا – فلسطين – مصر) وتشير ايضا الى ان تركيا ستشترك في الدفاع عن جناحها الشرقي، وتضيف ان "ايجاد علاقات اقوى بين بريطانيا ومصر وضرورة توحيد الهدف والخطة مع العراق".

عن رسالة
( العلاقات العراقية السوفيتية 1963-1968) 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية