العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :95
من الضيوف : 95
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33263360
عدد الزيارات اليوم : 23457
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غرامشي والهيمنة الثقافية

د.خالص جلبي
قضى الفيلسوف الإيطالي أنتونيو غرامشي (Antonio Gramsci) الذي عاش قليلاً 38 سنة (1891- 1937) معظم حياته في سجون الفاشية. ولكنه ترك إرثاً ثقافياً ما زال الجدل يدور حوله وكانت فكرته الرئيسية تدور حول هيمنة الثقافة.


وحسب رأيه فالثقافة ليست كتاباً ومدرسة، بل عديدة المراكز، ومنوعة التأثيرات، بدءاً من المدرسة، ومروراً بالمؤسسة الدينية، وانتهاءً بدوائر المال والإعلام.
ولم يعرف الناس أثر الفيلسوف إلا بعد موته بربع قرن، عام 1960 م، وهناك العديد من الفلاسفة الذين ماتوا وسرقت أعمالهم، وبقوا طي النسيان حتى حين.
أما أعماله الفكرية فلم تطبع إلا عام 1975م، واعتقد الرجل بالوحدة العضوية للحياة الاجتماعية وخرافة الحتمية الاقتصادية.
وكان يقول: إن الفعالية التاريخية تدور حول فكرة واحدة هي الهيمنة.
والهيمنة شيء مختلف عن السيطرة. وهو يذكر بقوله هذا بالفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) الذي اعتبر أن الطاقة هي محور الوجود سواء القوة المركزية في الفيزياء، أو السلطان كقوة مركزية في المجتمع. ويتخذ صوراً شتى، ويمكن أن يتحول من شكل لآخر، كما في طاقة الكهرباء، التي قد تنقلب إلى الطاقة الحركية، فيعلو المصعد إلى ناطحة سحاب، أو يهوي إلى مكان سحيق في باطن الأرض في مناجم الفحم، أو منقلبة إلى الحرارة والبرودة، فيعمل البراد و تشع الحرارة.
وفي القرآن عرض لمظهري القوة في المال والنفوذ"ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه”. وهنا يتفق غرامشي ويختلف عن راسل, فهو يرى أن القوة المركزية في المجتمع، هي قوة الثقافة أكثر من السلطة.
وتطبيق هذا في عالم الثقافة هذه الكلمات التي نكتبها في مقالة ورواية، فيقرأ القارىء أفكارنا ممزقة في كثير من المقالات، ويعلم الرقيب أنه إن لم يقطع المقالة ومنها يحذف قطع رزقه.. وأوربا تعذبت كثيراً حتى استطاعت أن تتحرر من سطوة المؤسسة الدينية.. وهذه المؤسسة عصب غليظ يمتد في كل جسم الأمة. وسبب قوة تأثيرها أن الواعظ والقديس والكاردينال والبابا، أو المفتي وشيخ الأزهر والقيروان ومكناس، حينما يقول فهو ينقل عن الرب. وهل هناك من أحمق أو مجنون مستعد لمواجهة الرب شخصياً..ولذا كانت المؤسسة الدينية على امتداد التاريخ، في حالة تفاهم مع السلطة السياسية، فكل يغذي الآخر ويحافظ عليه. وبتعبير القرآن الجبت والطاغوت.
ويرى (غرامشي) أن الطبقة الحاكمة تنظم وتدير المجتمع، من خلال هذه القوة الثقافية، التي تحسن التعامل معها. في أسماء شتى من الأزهر والأوقاف والكنيسة والمحراب والدروس الدينية وهيئة الأمر بالمعروف وما شابه.
وهو أمر موجود في كل الديانات والثقافات من الفرعون بسماتيك الثاني وانتهاء بملك الأنكا والمايا ومملكة الشسس والذهب وعائلة البوربون والقياصرة، وفراعنة النيل وملوك أور وأوروك وانتهاء بدول العصر الحديث.
وفي يوم عوقب غاليلو أشد العقاب، وهو الشيخ المسن ليس لأنه خالف الكتاب المقدس، ولكن لتفسيرات قال بها رجال الكنيسة.
وفي الوقت الذي تتحول تفسيرات الناس إلى نصوص منزلة تصبح اللعبة خطيرة..  على إثر الثقافة وضغطها المرعب في تركيبة المجتمع وحركته اليومية.
وهناك من التفسيرات والتقاليد ما تصبح أعظم من أي نص نزل من السماء، وهو لم ينزل من السماء بل قال به الناس وهي أشياء كثيرة.
ولكن لا أحد يتجرأ فيلمس الموضوع، وإلا احترق غير مأسوف عليه.
كما حصل مع الثعلب والبومة حينما اعتبر حيوانات الغابة أن البومة سيدة الحكماء وأنها إلهة لأنها ترى في الليل؛ فقال ثعلب: ولكن هل ترى في النهار مثل الليل؟ فقالوا له: أيها الفاسق وهل يسأل أحد مثل هذا السؤال؟
ثم إن أهل الغابة نصبوها زعيماً مدى الحياة وبدأوا بالهتاف بحياتها، وهي تمشي بهم ولا تبصر حتى قادتهم إلى حتفهم.
والتفسيرات البشرية عندما تقود إلى الكوارث يجب إعادة النظر فيها.
والنتيجة التي خرج بها غرامشي أن الفرد ليس أمامه إلا الرقص في المربع البورجوازي، وأن الطبقة المسيطرة القائدة تحاول إقناع بقية الطبقات بقيمها الفكرية.
وهو بهذا مهد الطريق لدور الثقافة كقيمة مركزية في تحليل اللحظة التاريخية، وأهمية الأشياء التي تم تجاهلها سابقاً من قبل المفكرين، كما أن الذكاء والشعور العام والثقافة الشعبية أعاد إحياءها، بل وتم تسريب فكرة الفردية من جديد إلى عمل التاريخ.فهذا هو الواقع، وهكذا تعمل قوانينه، وهكذا يجب فهمه، والتعامل معه، بموجب قوانينه الموضوعية.. والله يعلم وأنتم لا تعلمون



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية