العدد(4529) الاثنين 21/10/2019       مطابع الموصل في العهد العثماني       كيف انضم الجادرجي لجماعة الاهالي وكيف اقنع ابا التمن بذلك ؟       في ذكرى رحيله.. ناظم الغزالي .. محطات وذكريات       عبد الكريم قاسم وابوه .. ذكريات وحقائق       صفحة مطوية من تاريخ الفكر العراقي الحديث بين الرصافي والريحاني       من تراثنا الثوري .. انتفاضة فلاحي الشامية عام 1954       المطربة المصرية ( نادرة) وحر العراق سنة 1934       العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :48
من الضيوف : 48
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28025754
عدد الزيارات اليوم : 7179
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غرامشي.. لوكاش

سعد محمد رحيم
شهد النصف الأول من القرن العشرين انتعاشاً لافتاً في حقل التنظير الاشتراكي الماركسي. وظهر مفكرون تركوا أعظم الأثر في وعي أجيالهم. وكانت لهم أدوارهم في النضال السياسي، إلى جانب إبداعهم الفكري والفلسفي. وما ميّز نتاج بعضهم أنهم لم يركنوا إلى التفسيرات الدوغمائية الرسمية للماركسية، بل حاولوا أن يستكشفوا في مساحات بكر ويؤسسوا لمنظوراتهم وأجهزتهم المفاهيمية ويجتهدوا،


 لا في التفسير وحده، وإنما في النقد حتى ولو طال رموزاً وإيقونات كان المساس بها من المحرّمات. وهؤلاء طوّروا النظرية واقترحوا ستراتيجيات للتطبيق بما يتلاءم ومتغيرات العصر المادية والفكرية. وبهذا الصدد، لعل أنطونيو غرامشي وجورج لوكاش، كانا أكثـر أولئك المفكرين، في ضمن الحلقات السياسية الماركسية الفاعلة، أهمية في تلك الحقبة، وإثارة للجدل.
ولد غرامشي (1891 ـ 1937) في آليس في جزيرة سردينيا، ودرس الآداب بجامعة تورينو.. بدأ نشاطه السياسي مبكراً، وانضم إلى الحركات العمالية الاشتراكية، وتحديداً للحزب الاشتراكي الإيطالي. وشارك في الكفاح السياسي، وكتب مقالات عن مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الإيطالية، لاسيما عن ظروف الطبقة العاملة الإيطالية. أفصح منذ يفاعته عن موهبة في الإبداع الفكري والتنظيم السياسي والقيادة الحزبية والجماهيرية.. مجّد الثورة الروسية وعرّف بها وبقادتها. واسترعى انتباه لينين بتقريره الذي قدمه إلى المجلس الوطني للحزب الاشتراكي الإيطالي بعنوان (من أجل تجديد الحزب الاشتراكي). وقد دعم لينين بقوة هذا التقرير في أثناء انعقاد المؤتمر الثاني للأممية الثالثة في موسكو صيف 1920.. انتقد غرامشي ممارسات وسياسات الحزب الاشتراكي حيث رأى فيه لا تجمعاً حضرياً بل حشدا قبليا، لا جسما متكاملا بل تجمع أشخاص. ولذا بادر إلى تأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي مع رفاقه الذين يشاركونه الهموم والاتجاه.. وقف ضد الفاشية الصاعدة، وأُعتقل بأمر من موسوليني، حيث قضى في السجن قرابة العشر سنوات، وهناك كتب أهم دراساته التي عُرفت بدفاتر السجن. وتوفي بعد فترة قصيرة جداً من إطلاق سراحه في العام 1937.
كان ماركسياً مخلصاً، لكنه رفض عبادة ماركس كمعصوم من الخطأ، فماركس من وجهة نظره، كما قال في العام 1918"ليس مسيحاً خلّف وراءه سلسلة من الحكايات ذات المغزى الأخلاقي التي تحمل ملزمات صريحة وقواعد غير قابلة للتغيير على الإطلاق، خارجة عن مقولات الزمن والفضاء. إن الملزم الصريح والوحيد، والقاعدة الفريدة هي؛ يا عمّال العالم اتحدوا". وما عدا ذلك تفاصيل قابلة للاجتهاد والنقاش العلمي.
كتب غرامشي بألمعية وأصالة عن الحزب الثوري ووظيفته، وعن النقابة ودورها، وعن مجالس المصانع، وأكد على العمل الثوري المنظّم والواعي مندداً بالإصلاحيين.. وهو صاحب فلسفة البراكسس:"النشاط العملي والنقدي ـ الممارسة الإنسانية والمحسوسة ـ وغرامشي يؤكد استقلالية البراكسس إزاء الفلسفات الأخرى. إنها ممارسة ونظرية في آن معاً ولهذا فهي فلسفة سياسية".
ولغرامشي تقسيمه الخاص للنظرية الماركسية فهي تتكون، على وفق رؤيته، من الاقتصاد السياسي والعلم السياسي والفلسفة. وفي أثناء بحثه عن المبادئ الموحّدة في علاقات الإنسان بالمادة (نتاج البراكسس السابق) وجد أن"المبدأ الموحِّد من وجهة النظر الاقتصادية هو: القيمة. ومن وجهة النظر السياسية: الدولة. وأما من وجهة النظر الفلسفية فهو العلاقة بين إرادة الإنسان وبين الأوضاع والمواقف التي ينبغي له تجاوزها. وهذا المبدأ الأخير يؤلف بين وجهتي النظر السابقتين لأنه يتيح الانتقال من المستوى الاقتصادي إلى المستوى الخلقي والسياسي. إنه البراكسس". ووجد غرامشي التاريخ في عالم الأفكار، ليست الأفكار كتجريدات خيالية؛"كان جوهر هذه الأفكار يكمن في الاقتصاد، وفي النشاط العملي، وفي أنظمة وعلاقات الإنتاج والتبادل. وهذا جعله يتقاطع مع القائلين بالحتمية الميكانيكية، ليعوِّل على الإرادة الإنسانية والعمل الإنساني، باعتبار التاريخ صناعة بشرية."كانت الماركسية بالنسبة إليه فلسفة تطبيق عملي، واعتقاد بأنه يمكن إنجاز هدف تحرير البروليتاريا من خلال النشاط السياسي الطوعي للبروليتاريا نفسها، أو بالأحرى عن طريق الجدلية المستمرة التقدم بين البروليتاريا وطليعتها ذات الوعي الطبقي".
نظّر غرامشي للتحالف بين البروليتاريا والفلاحين، بين العمال الصناعيين والزراعيين. ومن يقوم بتوطيد مثل هذا التحالف هم الطليعة المثقفة. وفي أفق هذه النظرة لطبيعة وكيفية التحالف أسس غرامشي لمفهوم (الكتلة التاريخية) حيث يشكّل المثقفون"الاسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين كتلة تاريخية".
أكد على تثقيف البروليتاريا، ومن خلاله على دور الوعي والثقافة في التاريخ، حتى أن الثقافة يمكن أن يطوي المراحل ويسرّع حركة التاريخ.. يقول، وهو تحت تأثير انبهاره بالثورة الروسية البلشفية؛"البروليتاريا الروسية المتعلمة اشتراكياً سوف تبدأ تاريخها من المرحلة القصوى للإنتاج التي وصلتها إنكلترا اليوم. وإنْ عليها أن تبدأ، فإنها ستبدأ إنطلاقاً مما تحقق حتى الآن في الأمكنة الأخرى. ومن هذا المستوى سوف تصل إلى النضج الاقتصادي الذي يعتبره ماركس شرطاً للجماعية. إن الثوريين سيخلقون بأنفسهم الشروط الضرورية للتحقيق الكامل والشامل لفكرتهم. وسيخلقون هذه الشروط بأسرع مما تفعل الرأسمالية".
عبّرت هذه الثقة المفرطة بالبروليتاريا الروسية عن روح الانفعال الثوري التي كانت سائدة وقتئذٍ، ولم تكن البيروقراطية قد تحكمت تماماً بمقاليد السلطة بعد. كان ذلك طوباوية سيتنبه للاواقعيتها لاحقاً.
اعترض غرامشي على دعوات الفوضويين بتحطيم مؤسسة الدولة. وعبر استيعابه للشروط التاريخية للزمن الذي عاشه أكد على ضرورة تشييد دولة العمال على أنقاض دولة البرجوازية"فبالرغم من أن حدود التنافس الطبقي والصراع الطبقي تكون قد تغيرت في ديكتاتورية البروليتاريا، فإن التنافس يبقى وكذلك الطبقات. وعلى دولة العمال أن تحل المشاكل نفسها التي تحلها الدولة البرجوازية، وهي تحديداً: الدفاع الداخلي والخارجي. وسيكون من الأمور الكارثية أن تتصرف وكأن هذه المشاكل قد حُلّت فعلاً".
استحدث غرامشي مفاهيم لم تكن مطروقة في حقل الفكر الماركسي، مثل مفهوم الهيمنة الثقافية التي تعني أن الطبقة البرجوازية تهيمن على المجتمع لا بامتلاكها وسائل الإنتاج وإدارتها والتحكم بمؤسسات الدولة وحسب، وإنما من طريق فرض تصوراتها وأفكارها على المجتمع أيضاً، إلى الحد الذي تستدرج معه الطبقة العاملة لتبني تلكم التصورات والأفكار، والتي تغدو كما لو أنها تصورات وأفكار المجتمع برمته. كما اجترح مصطلحي/ مفهومي (المثقف التقليدي والمثقف العضوي) والأول هو من ينفصل عن هموم المجتمع. أو هو من يعيد الترويج لأفكار قارّة، المرة تلو المرة، مثل المعلمين ورجال الدين. فيما الثاني هو من يرتبط عضوياً بطبقة اجتماعية، أو مؤسسة ويعبّر عن ماهيتها ومصالحها وآمالها، ويصوغ وعيها. وإذا كان أفراد المجتمع جميعاً مثقفين (أي أن لهم أفكارهم وآراءهم ومنظومة قيمهم وتقاليدهم) فإن قلة من هؤلاء يمارسون وظيفة المثقف في المجتمع. وهؤلاء هم المفكرون والمبدعون في شتى مجالات العلوم والفنون والمعارف والآداب. ويستطيعون التأثير على الناس. وهذا ما قاد غرامشي إلى بلورة تصور جديد عن الحزب الثوري الذي يكون أعضاؤه مجموعة ناشطة من المثقفين العضويين المرتبطين بقوة بقضايا المجتمع، لاسيما البروليتاريا والفلاحين.
وميّز غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني. فالمجتمع السياسي بنظره يضم الحكومة والقوات المسلحة والشرطة والمؤسسات التشريعية والقضائية، فيما المجتمع المدني يُمثَّل بالاقتصاد وأفراد المجتمع، ومؤسساته المستقلة عن الحكومة.
حافظت أفكار ومفاهيم كثيرة حقنها غرامشي في نسيج الفكر الماركسي على طراوتها وفاعليتها حتى بعد أكثر من سبعين سنة على وفاته، وما زالت مؤثرة ويجري تداولها والاستشهاد بها ومناقشتها، اليوم، في حقول معرفية عديدة، منها علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع والنقد الثقافي والأنثربولوجيا.
كان المفكر الآخر الذي شغل الفضاء الفكري الماركسي الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين هو جورج لوكاش (1885 ـ 1971). ولد في بودابست/ عاصمة المجر. التحق بحركات اشتراكية مختلفة ثم انضم للحزب الشيوعي. عاش شطراً من شبابه في ألمانيا، ومن ثم في موسكو. عُيّن لمدة وجيزة وزيراً للثقافة في حكومة ايمري ناجي، في هنغاريا/ المجر بعد ثورة 1956 على الرئيس راكوشي، والتي سحقتها قوات حلف وارشو، لكنه نجى من الإعدام.
عُرف لوكاش بأنه مؤسس نظرية علم الجمال الماركسي، وأحد أهم المنظّرين في حقل الأدب. وكتاباته عن الواقعية الأوروبية وتوماس مان والرواية التاريخية تضعه في مقدمة أعلام النقد الروائي في القرن العشرين. غير أن هذا جانب واحد فقط من مساهماته الفكرية. فلوكاش فيلسوف له أهميته وتأثيره على كثر من المفكرين والفلاسفة، من مجايليه ومن الأجيال اللاحقة منهم هيدجر وكارل مانهايم وأقطاب مدرسة فرانكفورت (أشهرهم ماكس هوركهايمر وتيودور اودورنو وهربرت ماركوز) وبصماته واضحة على كتابات لوسيان غولدمان وجان بول سارتر.. أثرى الفكر الماركسي بتناوله المفاهيم والإشكاليات النظرية عبر منظور يختلف عن منظور الماركسيين التقليديين، ولذا وُصم بالتحريفية. ففي مقابل التأويل الستاليني ـ الجدانوفي أعطى تأويلات مغايرة ورسّخ قواعد نظرية ماركسية أخرى متأثرة بفلسفات (الذات) الغربية مستلهماً فيها، لا ماركس وحده، وإنما هيجل أيضاً. معيداً الاعتبار للروح الجدلية في الماركسية. ولعل كتابه (التاريخ والوعي الطبقي) أكثر أعماله نضجاً وسعة أفق من هذه الناحية. وفيه يقول؛"إن الماركسية الأصلية لا تعني تسليماً أعمى بنتائج بحث ماركس، ولا تعني الإيمان بنظرية أو بأخرى ولا تأويل كتاب مقدّس. إن الأصالة نسبة إلى الماركسية ترجع، على نقيض ذلك، إلى المنهج بشكل حصري".
جعله هذا، في نظر الشيوعيين الأرثوذكسيين، ماركسياً لم تتم بلشفته كما ينبغي،"وهرطوقاً على الصعيد الفلسفي، بمعنى أنه كان يسارياً هيجلياً وليس مادياً". كما يقول جورج لختهايم مؤلف كتاب (جورج لوكاش).
يضيف لختهايم؛"إن نوع الماركسية التي ادّعاها لنفسه لها نغمة نخبوية. إن صيغة لوكاش برفعها (الطليعة) إلى مصاف الحقيقة التاريخية المستقلة التي وحدها تضم الوعي الحقيقي للثورة اللينينية قد أصبحت غير قابلة للاتفاق مع تمجيد روزا لوكسمبورغ الرومانسي للحركة الجماهيرية". ففي كتاب (التاريخ والوعي الطبقي) حاول حل تلك المعضلة الكامنة في العلاقة بين النظرية والتطبيق. وقد رأى أن وعي البروليتاريا بالقوانين التي تحكمها وتحكم مسيرتها هو فاعل تاريخي، والتاريخ لا يتحرك إلاّ عبر التفاعل بين الذات والموضوع، ويغدو الوعي داخل التاريخ، لا خارجه. وبذا يؤدي وعي البروليتاريا بواقعها حيث حولتها الرأسمالية إلى بضاعة، إلى أن يمثِّل المبدأ السالب الذي يرفض هذا الواقع وشروطه، ليتحرر من التشيؤ.
إن جدلية الممارسة، بحسب لوكاش، تنشأ من عمليات الأخذ والرد بين الذات والموضوع.. بين الوعي والوجود من غير أن نعطي للموضوع أولوية على الذات، وللوجود أولوية على الوعي. وهنا لم يقل مع هيجل أن العقل هو الذي يحرّك التاريخ، بل أن التاريخ هو نتاج جدل الذات والموضوع، وجدل الوعي والوجود والتاريخ. وهذه الجدلية تضع الحرية داخل الضرورة، لا في تضاد معها.
شكك لوكاش بفهم أنجلس لكانط وهيجل، ووصف مادية عصر التنوير بأنها"الشكل الإيديولوجي للثورة البرجوازية". ولم يقتنع بأن للماركسية صلة بالعلوم الطبيعية مزيحاً بذلك"حجر الزاوية في البناء اللينيني". وطالما كانت المادة أو (الطبيعة) في نظر أنجلس تسبق الروح. أو"أن الروح فيض أو انبثاق من المادة. ومثل هذه التأكيدات لا يمكن إثباتها أو دحضها". فإن المادية عندئذ لن تعود نظرية للمعرفة"بل تصبح نظرية غيبية عن العالم".
تجلت أصالة أفكار لوكاش من خلال فهمه لجوهر الديالكتيك الهيجلي ويلخّص لختهايم وجهة نظر لوكاش من هذه الزاوية بالقول؛"أن المادية والروحية هما أطروحة ونقيضها، وذلك لخلاف يعود إلى عدم القدرة على تخطي الانفصام بين الذات والموضوع. والحل لا يكون في إيثار الواحدة دون الأخرى، بل يتجاوز موضع الخلاف، وهذا يتم بالسير على خطى ماركس في معالجة التطبيق على أساس أنه الاتحاد المادي بين الفكر والواقع". فلوكاش أحيى فكرة هيجل حول تطابق الكينونة والوعي في النهاية. وهنا يكون"من المعقول أن يرد عنصر الوعي الذاتي إلى الطبيعة". وهذا نوع من التخلي عن المادية بالمعنى الضيق الذي روّج له الماركسيون اللينينيون الذين هاجموا لوكاش لأنه أدخل"مفاهيم مثالية إلى الماركسية"بحسب وجهة نظرهم.
استخدم مفهوم التشيؤ بدلاً من مفهوم الاستلاب. وعاد إلى كتابات ماركس الشاب ليمنح الوعي الطبقي دوراً فعالاً في التأثير على الوضع التاريخي وتحويله، وكيف يمكن في ظل شروط وظروف معينة أن تكتسب"فيها الثورة الفكرية صفات القوة المادية". واعترض على واحدة من أكثر الأفكار الماركسية رواجاً، والقائلة بأن الطبقة البروليتارية في تحريرها لنفسها ستحرر البشرية جميعاً، على الرغم من ادعائه بأن"الثورة البروليتارية هي مفتاح لفك لغز التاريخ". وكان ديدنه الوصول إلى"تحليل ماركسي يلتزم بالحقائق، ولا يشجب التراث الهيجلي باسم العلم. وفي ذلك الوقت من عشرينيات القرن العشرين حين نشر كتابه (التاريخ والوعي الطبقي/ 1924) كان تيار من اللاعقلانية يسود أوروبا ممهداً لصعود الفاشية.. ويقول لختهايم"ولو ان لوكاش تمتع بشخصية قوية تدعم موقفه عوضاً عن التزامه بالسكوت، ومن ثم تنكره لآرائه الأولى فيما بعد، فلربما استطاع أن يبني سداً في وجه الفيضان المتدفق من اللاعقلانية".
عاش لوكاش في ظل ظروف سياسية ملتبسة، صعبة، واضطر أحياناً ألا يكون نفسه، بطرحه لأفكار مثيرة للجدل، لا تتساوق مع نظرته العلمية الدقيقة.."لقد ارتدى لوكاش أقنعة كثيرة أثناء حياته ومثّل أدوار خداع مدروسة ومجاملة وتحقير ذات لافتة للنظر حتى بالنسبة إلى مقاييس بيئته المختارة، ولكن عبر ذلك كله لم يذهب بعيداً أو طويلاً عن هدفه الأولي: نظرية علم جمال تقدّم إلى العالم الجديد للاشتراكية الأوروبية الشرقية ما قدمته المثالية الألمانية بشكل خاص إلى العالم البرجوازي". هذا ما يقوله مؤلف كتاب (جورج لوكاش) جورج لختهايم.
كان لوكاش يخضع إلى ضغوطات عديدة ترتبط بحقبة الطغيان الستاليني ومتطلبات الحرب الباردة، جعلته ينحدر، في فترات مختلفة، إلى نوع من السكولائية الجامدة، والمستوى الجدانوفي. وغالى أحياناً في تمجيده للينين وستالين، على الرغم من أنه سيقول بعد شجب خروشوف لستالين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي؛"لابد من إخضاع دوغمائية ستالين ودوغمائية العهد الستاليني لأشد النقد قساوة"من غير إنكار"إنجازات ستالين الإيجابية كما يؤكد.
وفي مؤلفه (تحطيم العقل) عمل على نقد التراث الفلسفي الألماني، لاسيما الجانب اللاعقلاني فيه، والذي قاد، في النهاية، إلى النازية وما خلّفته من مآس وويلات.
كان لوكاش يبحث في فحوى السؤال؛ إذا كانت الحقيقة يمكن الوصول إليها بوساطة العقل، فلماذا وكيف سادت اللاعقلانية؟"ولماذا يكون لها في بعض الأحيان قوة لا تربك المفكرين الأفراد فحسب، بل ثقافات بأكملها؟"وقد سعى لربط الصراع بين العقلانية واللاعقلانية بالصراع الطبقي. وتجد هذه الفكرة صعوبات جمة وتواجه أسئلة حاسمة، منها: لماذا لم تتحول أوروبا البرجوازية كلها إلى الفاشية؟ وما علاقة محن ألمانيا بموقفها من الثورة الفرنسية؟. ويعد لختهايم كتاب لوكاش (تحطيم العقل) عملاً فاشلاً لأنه لم يحقق الهدف الذي حدده مؤلفه له.
أهم المصادر:
1ـ (غرامشي؛ حياته وأعماله) جون كاميت.. ترجمة؛ عفيف الرزاز.
2ـ (جورج لوكاش) جورج لختهايم.. ترجمة: ماهر الكيالي، ويوسف شويري.. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.. بيروت.. ط1/ 1982.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية