العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :47
من الضيوف : 47
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 34484317
عدد الزيارات اليوم : 16667
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


أنطونيو غرامشي... حياة في السجن

خليل صويلح
أمضى انطونيو غرامشي (1891ـــ 1937) 11 عاماً في السجن، كتب خلالها 32 دفتراً، رافقته من معتقل إلى آخر. لم يأبه المفكر الشيوعي الإيطالي اللامع لشروط المعتقل السيئة، برغم وضعه الصحي الهش. الحملات الاحتجاجية العالمية التي أُطلقت من أجل حريته، لم تحرك ساكناً لدى السلطة الفاشية الإيطالية. في زنزانته، سنَّ لنفسه خطة عمل لمشروعه الفكري، برغم غياب الوثائق التي كان يحتاجها، معتمداً على ذاكرته وحدها، في ترميم أفكاره.


هكذا، أنجز 3 آلاف صفحة مكتوبة بخط اليد، تجوّل خلالها، بين موضوعات مختلفة، تتعلّق بدور المثقف، والإصلاح، وعصر النهضة، ومكيافيلي، ودانتي، والعلمانية، والمجتمع المدني، والفلكلور والأدب. في السجن، كتب رسائل إلى أمه وأصدقائه وعائلته، نُشرت للمرة الأولى عام 1947. ها هي تصدر بنسختها العربية أخيراً بعنوان «رسائل السجن: رسائل أنطونيو غرامشي إلى أمه» (دار طوى، لندن ـ تعريب سعيد بوكرامي) وهي الجزء الأول من سلسلة ستصدر تباعاً.
خلال تدوين كراساته، كان غرامشي يستكمل نضاله الثوري، في فترة ما قبل اعتقاله، معتبراً الكراسات «بؤرة حياتي الداخلية». وحين صدرت بعد رحيله، في ستة مجلدات، وجد فيها المثقفون إلهاماً قوياً، وجّه أفكارهم إلى مفاهيم جديدة، في ما يخص معنى المثقف العضوي المنخرط في الشأن العام، إذ بنى أفكاره على خلطة من أفكار ماركس ومكيافيلي وهيغل، ولو بنبرة سجالية مفارقة. في رسائله إلى أمه، سعى إلى أن يبدو متماسكاً ومرحاً كي لا تقلق عليه: «لدي سرير لا بأس به، يتوفّر أيضاً لدي مرآة حيث أنظر إلى نفسي، وآلة لتسخين الأكل وإعداد القهوة». لا يغفل هذا المفكر والسيسيولوجي المتفرّد، في رسائله هذه عن طمأنة والدته عن زوجته وأولاده الذين كانوا يعيشون في مكانٍ آخر. وكم كان يبدو مسروراً، حين تصله رسالة من أحدهم، أو صورة شخصية، كما يشرح لأمه تصوراته عن نفسه في محاربة الفاشية، بشكل موارب، إذ يشبّه موسوليني بالطفل الكبير الذي يهدّد بالتبوّل في فراشه. في رسالة لاحقة. في هذه الأثناء، أُصيبت زوجته جوليا بمرض عصبي، ثم سافرت إلى موسكو، ولم تتمكّن من العودة، فيما كانت شقيقته «تاتانيا» تواظب على زيارته في السجن، رغم مرضها.
يعدّ العمل الجزء الأول من السلسلة التي تعرّبها وتصدرها «دار طوى"تباعاً ويعود إليها الفضل في حفظ دفاتره المكتوبة في السجن. اللافت هنا أن غرامشي المريض، حاول رفع معنويات الآخرين في الخارج، ونبّه أمه ألا تصدق العبث الذي تنشره الجرائد عنه، نافياً التهمة التي ستوجه إليه في المحاكمة المقبلة في روما (1928)، إذ يؤكد أن التهمة ضده تستند إلى تقارير غامضة للشرطة، من دون أدلة، وهو لن يهزم أو ييأس، برغم محاولات الإذلال (لم يكن ينام أكثر من ساعتين في اليوم، وكان عندما يستسلم لغفوة صغيرة، يتولّى الحارس الذي تلقى الأوامر بإزعاجه، فتح وإغلاق باب الزنزانة محدثاً ضوضاء مُتعمدة). في الزنزانة رقم 7047 في سجن «تورينو»، أمضى غرامشي سنواته الأخيرة. تبلوّر مشروعه الفكري بين جدران زنزانته، دفتراً وراء الآخر، وبدلاً من الاستكانة إلى النظرية الماركسية الجامدة، وقف على مسافة من الستالينية، وفي الوقت نفسه اختط منهجه الخاص في علم الاجتماع المفارق لمدرسة فرانكفورت النقدية. من القلق والارتباك في فترة اعتقاله الأولى، إلى الصبر والانهماك في العمل الفكري، حاول تجاوز محنته. لكن في رسالته الأخيرة، بدا كأنه نفد صبره، إذ يشير عرضاً إلى أنه كان مهدّداً دوماً، وأن صحته ليست على ما يرام. لم يكمل محكوميته، فقد مات تحت التعذيب.

جريدة الاخبار اللبنانية



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية